فصل: علماء أصول الفقه

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أبجد العلوم **


 علماء الطب

 بقراط الحكيم

أول من دون علم الطب، وهو حكيم مشهور، معتن ببعض علوم الفلسفة، سيد الطبيعيين في عصره؛ كان قبل الإسكندر بنحو مائة وسنة، وله في الطب تصانيف شريفة؛ وكان فاضلا، متألها، ناسكا، يعالج المرضى احتسابا، طوافا في البلاد؛ وكان في زمن أردشير - من ملوك الفرس -، وكان يسكن حمص من مدن الشام، وكان يتوجه إلى دمشق، ويقيم في غياضها للرياضة، والتعلم، والتعليم؛ وفي بساتينها‏:‏ موضع، يعرف‏:‏ بصفة بقراط؛ وكان طبيبا، فيلسوفا، فاضلا، كاملا، معلما لسائر الأشياء، قوي الصناعة، والقياس، والتجربة‏.‏

ولما خاف أن يفنى الطب من العالم، علّم الغرباء الطبَّ، وجعلهم بمنزلة أولاده‏.‏

وظهر بقراط سنة 96 لتاريخ‏:‏ بُخْتَ نَصَّر، وهي‏:‏ سنة 14 من ملك بهمن، وعاش خمسا وتسعين سنة، وله كتب نافعة، مفسرة بالعربية‏.‏ ‏(‏3/ 114‏)‏

 جالينوس الحكيم

الفيلسوف، الطبيعي، اليوناني؛ ظهر بعد بقراط، من مدينة فرغاموس، من أرض اليونانيين؛ إمام الأطباء في عصره، ورئيس الطبيعيين في وقته، مؤلف الكتب الجليلة في الطب، وغيره‏:‏ من علم الطبيعة، وعلم البرهان؛ ومؤلفاته‏:‏ تنيف على ستين مؤلفا؛ وكان بعد المسيح عليه السلام بنحو مائتي سنة، وبعد الإسكندر بنحو خمسمائة سنة ونيف، ولا يُعلم بعد أرسطاطاليس أعلم بالطبيعي من هذين‏:‏ بقراط، وجالينوس؛ قيل‏:‏ هو من بلاد إيشيا، شرقي قسطنطينية، في دولة القيصر السادس، وجاب البلاد، وبرع في الطب، والفلسفة، والرياضة، وهو ابن سبع عشرة سنة؛ وجدد علم بقراط، وفاق في علم التشريح، وكان أبوه أعلم بالمساحة في زمانه، وكانت ديانته النصرانية‏.‏

مات في مدينة سلطانية، وقبره بها، وعاش ثمان وثمانين سنة؛ وكان يأخذ نفسه في كل يوم بقراءة جزء من الحكمة، ولم يأخذ من الملوك شيئا، ولا داخلهم؛ ولولا هو ما بقي العلم والدرس، ودثر من العالم جملته، ولكنه أقام أوده، وشرح غامضه، وبسط مستصعيه؛ وكان في زمانه فلاسفة مات ذكرهم عند ذكره، وانتهت إليه الرياسة في عصره‏.‏

 أبو بكر محمد بن زكريا الرازي

من مشاهير العلماء في الطب، طبيب المسلمين غير مدافع؛ مهر في المنطق، والهندسة، وغيرها‏:‏ من علوم الفلسفة؛ وكان في شبيبته يضرب بالعود ويغني، ثم أقبل على تعلم الفلسفة، ودراسة كتب الطب، فنال منها كثيرا، وقرأها قراءة رجل متعقب على مؤلفيها، فبلغ من معرفة غوائرها الغاية، واعتقد الصحيح منها، وعلل السقيم؛ وكان إمام وقته في علم الطب، والمشار إليه في ذلك العصر؛ وكان متقنا لهذه الصناعة، حاذقا بها، عرافا بأوضاعها وقوانينها، تشد إليه الرحال لأخذها؛ وألف كتبا أكثرها في الطب، وتوغل في الآلهة، ولم يفهم غرضه، فتقلد آراء سخيفة، واتخذ مذاهب ضعيفة، ودبّر مارستان الري، ثم مارستان بغداد في أيام المكتفي، ثم عمي في آخر عمره، وتوفي في سنة 311‏.‏ ‏(‏3/ 115‏)‏

قيل له‏:‏ لو قدحت عينيك‏؟‏ قال‏:‏ لا، قد أبصرت من الدنيا حتى مللت‏.‏

وأحسن صناعة الكيمياء، وذكر أنها أقرب إلى الممكن منها إلى الممتنع، وألف فيها اثني عشر كتابا؛ وكان كريما، متفضلا، بارا بالناس، حسن الرأفة بالفقراء، ولم يكن يفارق النسخ، إما يسود أو يبيض‏.‏

وتصانيفه‏:‏ تبلغ مائة وستة عشر من الكتب والرسائل، في الطب، والفلسفة، وكلها نافع في بابه - والله أعلم -‏.‏

ومن كلامه‏:‏ مهما قدرت أن تعالج بالأغذية، فلا تعالج بالأدوية؛ ومهما قدرت أن تعالج بدواء مفرد، فلا تعالج بدواء مركب‏.‏

قال‏:‏ وإذا كان الطبيب عالما، والمريض مطيعا، فما أقل لبث العلة‏.‏

وقال‏:‏ عالج في أول العلة، بما لا تسقط به القوة‏.‏

ولم يزل رئيس هذا الشأن، وكان اشتغاله به على كبر، يقال‏:‏ إنه لما شرع فيه، كان قد جاوز أربعين سنة من العمر، وطال عمره‏.‏

 علي بن أبي الحزم، علاء الدين بن النفيس، الطبيب، المصري

صاحب كتاب‏:‏ الموجز في الطب، وشرح كليات القانون، وغيرهما‏.‏

كان فقيها على مذهب الشافعي، صنف شرحا على التنبيه، وصنف في الطب غير ما ذكرناه كتابا، سماه‏:‏ الشامل، قيل‏:‏ لو تم لكان ثلاثمائة مجلدة، تم منه ثمانون مجلدة‏.‏

وصنف في أصول الفقه، والمنطق‏.‏

وبالجملة‏:‏ كان مشاركا في الفنون، وأما الطب‏:‏ فلم يكن على وجه الأرض مثله في زمانه، قيل‏:‏ ولا جاء بعد ابن سينا مثله، قالوا‏:‏ وكان في العلاج أعظم من ابن سينا، وكان شيخه في الطب‏:‏ الشيخ مهذب الدين‏.‏

توفي سنة 687، عن نحو ثمانين سنة، وخلف أموالا جزيلة، ووقف كتبه وأملاكه على المارستان المنصوري‏.‏

 أبو يعقوب، إسحاق بن حنين العبادي

الطبيب المشهور؛ كان أوحد عصره في علم الطب، وكان يعرف كتب الحكمة التي بلغه اليونانيين إلى اللغة العربية، وله المصنفات المفيدة في الطب، ولحقه الفالج في آخر عمره، فتوفي في سنة 398‏.‏

والعِبَادي‏:‏ نسبة إلى عباد الحيرة، وهم‏:‏ عدة بطون من قبائل شتى، نزلوا حيرة، ‏(‏3/ 116‏)‏ وكانوا نصارى، يُنسب إليهم خلق كثير، والحيرة‏:‏ مدينة قديمة، كانت لبني المنذر‏.‏

 أبو زيد، حنين بن إسحاق العبادي

الطبيب المشهور؛ كان إمام وقته في صناعة الطب، وكان يعرف لغة اليونانيين معرفة تامة، وهو الذي عرَّب كتاب إقليدس، وجاء ثابت بن قرة فنقحه وهذبه، وكذلك كتاب المجسطي‏.‏

وله في الطب مصنفات مفيدة، وتقدم ذكر ولده‏:‏ إسحاق آنفا، وكان المأمون مغرما بتعريبها‏.‏

واليونانيون‏:‏ كانوا حكماء متقدمين على الإسلام، وهم أولاد‏:‏ يونان ابن يافث بن نوح‏.‏

توفي حنين في سنة 260‏.‏

 أبو الحسن، هبة الله بن أبي الغنائم بن التلميذ الطبيب، البغدادي

ذكره العماد الأصفهاني في الخريدة، فقال‏:‏ سلطان الحكماء، ومقصد العالم في علم الطب، بقراط عصره، وجالينوس زمانه، وختم به هذا العلم، ولم يكن في الماضيين من بلغ مداه في الطب، عمّر طويلا، وعاش نبيلا جليلا، رأيته وهو شيخ بهي المنظر، حسن الرُواء، عذب المجتلى والمجتنى، لطيف الروح، ظريف الشخص، بعيد الهم، عالي الهمة، ذكي الخاطر، مصيب الفكر، حازم الرأي، شيخ النصارى وقسيسهم، ورأسهم ورئيسهم، وله في النظم كلمات رائقة، وحلاوة جنية، وغزارة بهية، وكان بينه وبين أبي البركات‏:‏ هبة الله بن علي - الحكيم المشهور، صاحب كتاب‏:‏ المعتبر في الحكمة - تنافر وتنافس، كما جرت العادة بمثله، بين أهل كل فضيلة وصنعة، ولهما في ذلك أمور، ومجالس مشهورة، وكان يهوديا، ثم أسلم في آخر عمره، وأصابه الجذام، فعالج نفسه بتسليط الأفاعي على جسده، بعد أن جوَّعها، فبالغت في نهشه، فبرئ من الجذام، وعمي، وقصته مشهورة‏.‏

ولابن التلميذ في الطب تصانيف مليحة، فمن ذلك‏:‏ أقراباذين، وحواش على كليات ابن سينا‏.‏

توفي في سنة 560، ببغداد، وقد ناهر المائة من عمره، مات في عيد النصارى‏.‏ ‏(‏3/ 117‏)‏

 أبو علي، يحيى بن عيسى بن جزلة

الطبيب، صاحب‏:‏ كتاب المنهاج، الذي جمع فيه من أسماء‏:‏ الحشائش، والعقاقير، والأدوية، وغير ذلك شيئا كثيرا‏.‏

كان نصرانيا، ثم أسلم؛ وصنف‏:‏ رسالة في الرد على النصارى، وبين عوار مذاهبهم، ومدح فيها الإسلام، وأقام الحجة على أنه الدين الحق، وذكر فيها ما قرأه في التوراة والإنجيل من‏:‏ ظهور النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه نبي مبعوث، وأن اليهود والنصارى أخفوا ذلك ولم يظهروه، ثم ذكر فيها‏:‏ معائب اليهود والنصارى، وهي رسالة حسنة، أجاد فيها، وهو‏:‏ من المشاهير في علم الطب وعمله، وكان يطبب أهل محلته ومعارفه بغير أجرة، ويحمل إليهم الأشربة والأدوية بغير عوض، ويتفقد الفقراء، ويحسن إليهم؛ ووقف كتبه قبل وفاته، وجعلها في مشهد أبي حنيفة - رحمه الله -‏.‏

توفي في سنة 493 - غفر الله له‏.‏-

 علماء أصول الفقه

 أحمد بن علي، أبو بكر الرازي

المعروف‏:‏ بالجصاص

ولد سنة 305، وسكن ببغداد، وانتهت إليه رياسة الحنفية، تفقه على الكرخي، وكان على طريقه من الزهد والورع، توفي ببغداد، سنة 370‏.‏

 أبو الحسن، علي بن محمد، فخر الإسلام، البزدوي

فقيه ما وراء النهر، على مذهب أبي حنيفة‏.‏

توفي سنة 482، ودفن بسمرقند‏.‏

له‏:‏ كتاب المبسوط، أحد عشر مجلدا، وشرح الجامع الكبير، ولكتابه في الأصول‏:‏ شروح، أشهرها‏:‏ الكشف‏.‏

 شمس الأئمة السرخسي، أبو بكر، محمد بن أحمد

صاحب‏:‏ المبسوط تخرج بعبد العزيز الحلواني، كان عالما، أصوليا، وقد شاع‏:‏ أنه أملى المبسوط من غير مراجعة إلى شيء من الكتب، وله كتاب في أصول الفقه، أبدأه وهو في الجُبِّ محبوس، بسبب كلمة نصح بها الأمراء، وكان يجتمع تلامذته على أعلى الجب يكتبون، فلما وصل إلى باب الشرط، أطلق من الحبس، فخرج إلى فرغانة، فأكرمه الأمير حسن، فوصل إليه الطلبة، فأكمله‏.‏ ‏(‏3/ 118‏)‏

وقيل له يوما‏:‏ حفظ الشافعي ثلاثمائة كراس، فقال‏:‏ حفظ زكاة ما أحفظه، فَحُسِبَ ما حفظ، فكان‏:‏ اثني عشر ألف كراس‏.‏

توفي في حدود سنة خمسمائة - رحمه الله تعالى‏.‏-

 سيف الدين الآمدي، علي بن محمد بن سالم الثعلبي

ولد بآمد، سنة 550؛ قرأ على مشائخ بلده القراءات، وحفظ كتابا على مذهب أحمد بن حنبل، وبقي على ذلك مدة، فكان في أول اشتغاله‏:‏ حنبلي المذهب، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، ثم رحل إلى العراق، وأقام في الطلب ببغداد مدة، وحصل علم الجدل، والخلاف، والمناظرة؛ ثم انتقل إلى الشام، واشتغل بفنون المعقول، وحفظ منه الكثير، وتمهر فيه، ولم يكن في زمانه أحفظ منه لهذه العلوم‏.‏

وصنف‏:‏ في أصول الدين، والفقه، والمنطق، والحكمة، والخلاف، وكل تصانيفه مفيدة‏.‏

وكان قد أخذ علوم الأوائل من نصارى الكرخ ويهودها، فاتهُّم لذلك في عقيدته، ففر إلى مصر خوفا من الفقهاء، سنة 592، وناظر بها وحاضر، وأظهر تصانيف في علوم الأوائل، ثم تعصبوا عليه، فخرج من القاهرة مستخفيا، ثم استوطن حماة، أو دمشق، وتولى بها التدريس، ومات بها في سنة 631‏.‏

له‏:‏ كتاب الماهر في علوم الأوائل والأواخر، خمس مجلدات؛ وكتاب أبكار الأفكار، في أصول الدين، أربع مجلدات‏.‏

قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام‏:‏ ما سمعت أحدا يلقي الدرس أحسن من الآمدي، وما علمنا قواعد البحث إلا منه، وقال‏:‏ لو ظهر متزندق مشكك في الدين، ما تعين لمناظرته إلا هو، وله‏:‏ كتاب منتهى السول والأمل، في علمي الأصول والجدل، ومختصرهما لابن الحاجب، وله مقدار عشرين تصنيفا‏.‏ ‏(‏3/ 119‏)‏

توفي سنة 631، ودفن بسفح جبل قاسيون، وكانت ولادته في سنة 551‏.‏

والآمدي‏:‏ نسبة إلى آمد، وهي‏:‏ مدينة كبيرة في ديار بكر، مجاورة لبلاد الروم‏.‏

 أبو البركات النسفي، عبد الله بن أحمد، حافظ الدين

صاحب كنز الدقائق؛ وكتاب المنار، في أصول الفقه؛ وكتاب العمدة، في أصول الدين؛ تفقه على شمس الأئمة الكردري‏.‏

وللمنار شروح، منها‏:‏ إفاضة الأنوار في إضاءة أصول المنار، لسعد الدين محمود الدهلوي - رحمه الله تعالى‏.‏

 سراج الدين الهندي، أبو حفص، عمر بن إسحاق ابن أحمد الغزنوي

قاضي الحنفية بالقاهرة‏.‏

تفقه ببلاده على‏:‏ الوجيه الرازي، والسراج الثقفي، والزين البدواني، وغيرهم من علماء الهند؛ وحج، وظهرت فضائله، له وجاهة في كل دولة، واسع العلم، كثير المهابة، وكان يتعصب للصوفية الموحدة، وعزر ابن أبي حجلة، لكلامه في ابن الفارض‏.‏

مات في الليلة التي مات فيها البهاء السبكي، وهي‏:‏ السابع من رجب، سنة 773؛ وكان يكتب بخطه‏:‏ مولدي سنة 704‏.‏

 محمد بن محمد بن عمر، حسام الدين الأَخْسِيكَثي

الفقيه الحنفي، الأصولي، من أهل أخسيكث‏.‏

وأخسيكث‏:‏ قرية فيما وراء النهر، من بلاد فرغانة‏.‏

ألف المختصر في أصول الفقه، وسماه‏:‏ المنتخب في أصول المذهب، ويعرف‏:‏ بالمنتخب الحسامي، نسبة إلى لقبه‏.‏

مات - رحمه الله تعالى - سنة 644‏.‏

 أبو المعالي، إمام الحرمين‏:‏ عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني

مولده‏:‏ في الكامل‏:‏ سنة 410، وفي تاريخ ابن أبي الدم‏:‏ 419، إمام العلماء في وقته، فَحْلُ المذهب‏.‏

ومن تصانيفه‏:‏ نهاية المطلب في دراية المذهب؛ سافر إلى بغداد، ثم إلى الحجاز، وأقام بمكة والمدينة أربع سنين، يدرس، ويفتي، ويصنف؛ وأمَّ في الحرمين الشريفين، وبذلك لُقِّب، ثم رجع إلى نيسابور، وجُعل إليه الخطابة، ومجلس الذكر، ‏(‏3/ 120‏)‏ والتدريس ثلاثين سنة؛ وحظي عند نظام الملك - وزير السلطان ألب أرسلان السلجوقي -‏.‏

ومن تلاميذه‏:‏ الغزالي، وحسبك؛ وأبو الحسن علي إِلْكِيَا الهرَّاسي‏.‏

وادعى إمام الحرمين الاجتهاد المطلق، لأن أركانه كانت حاصلة له، ثم عاد إلى تقليد الإمام الشافعي - رحمه الله - لعلمه بأن منصب الاجتهاد قد مضت سنوه‏.‏

مات بقرية‏:‏ بشتقان، ونقل إلى نيسابور، ثم نقل بعد سنين إلى مقبرة الحسين، فدفن بجنب أبيه، وصلى عليه ولده‏:‏ أبو القاسم، فأغلقت الأسواق يوم موته، وكسر منبره في الجامع، وقعد الناس لعزائه، ورثوه كثيرا، منه‏:‏

قلوب العالمين على المقالي ** وأيام الورى شبه الليالي

أيثمر غصن أهل العلم يوما ** وقد مات الإمام أبو المعالي

وقد كانت تلامذته يومئذ نحو أربعمائة، فكسروا محابرهم وأقلامهم، وأقاموا كذلك عاما كاملا، كذا في تاريخ ابن الوردي‏.‏

قال ابن خلكان‏:‏ هو أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي على الإطلاق، المجمع على إمامته، المتفق على غزارة مادته، وتفننه في العلوم من‏:‏ الأصول والفروع، والأدب؛ ورزق من التوسع في العبادة مالم يعهد من غيره، وكان يذكر دروسا، يقع كل واحد منها في عدة أوراق، ولا يتلعثم في كلمة منها، سافر إلى بغداد، ولقي بها جماعة من العلماء، ظهرت تصانيفه، وحضر دروسه الأكابر من الأئمة، وله إجازة من الحافظ‏:‏ أبي نعيم الأصفهاني - صاحب حلية الأولياء‏.‏-

ومن تصانيفه‏:‏ الشامل، في أصول الدين؛ والبرهان، في أصول الفقه؛ وغياث الأمم، في الإمامة؛ وكان إذا شرع في علوم الصوفية، وشرح الأقوال، أبكى الحاضرين؛ ولم يزل على طريقة حميدة مرضية، من أول عمره إلى آخره‏.‏ انتهى ملخصا‏.‏

 الشيخ صفي الدين الهندي، الأرموي

المتكلم على مذهب الأشعري

كان ‏(‏3/ 121‏)‏ أعلم الناس بمذهبه، وأدراهم بأسراره، متضلعا بالأصلين، اشتغل على سراج الدين - صاحب التلخيص -‏.‏

صنف‏:‏ الزبدة، في علم الكلام؛ والنهاية، في أصول الفقه؛ والفائق، فيه أيضا؛ وكل مصنفاته جامعة حسنة، لا سيما‏:‏ النهاية‏.‏

ولد ببلاد الهند، سنة 644، ورحل إلى اليمن، ثم حج، وقدم إلى مصر، ثم سار إلى الروم، واجتمع بسراج الدين؛ ثم قدم دمشق، وأشغل الناس بالعلم‏.‏

توفي بها، سنة 715، خمس عشرة وسبعمائة‏.‏

 صدر الشريعة عبد الله بن مسعود بن محمود

عالم محقق، وحبر مدقق؛ له تصانيف‏:‏ مثل‏:‏ شرح الوقاية؛ والوشاح، في المعاني؛ وتعديل العلوم في أقسام العلوم العقلية كلها؛ والتنقيح، وشرحه المسمى‏:‏ بالتوضيح، في أصول الفقه؛ - رحمه الله تعالى رحمة واسعة‏.‏-

 مولانا خسرو

اسمه‏:‏ محمد بن قرامز بن خواجة علي

كان عالما، عاملا، محققا، فاضلا؛ استقضاه السلطان محمد خان بالعسكر، ثم صار قاضيا بمدينة قسطنطينية، ثم صار مفتيا بها سنين كثيرة‏.‏

توفي سنة 885؛ له مصنفات كثيرة في علوم عديدة، مثل‏:‏ الدرر، وشرحه‏:‏ الغرر، وحواشي التلويح، وحواشي المطول، وغير ذلك من الكتب، والرسائل‏.‏

 قاضي القضاة‏:‏ محمد بن علي الشوكاني

وستأتي ترجمته‏.‏

 علماء الفقه

 الإمام أبو حنيفة، نعمان بن ثابت - رضي الله عنه -

إمام الحنفية، ومقتدي أصحاب الرأي‏.‏

ولد سنة 80 من الهجرة، كذا ذكره الواقدي، والسمعاني، عن‏:‏ أبي يوسف، وقيل‏:‏ عام إحدى وستين، والأول‏:‏ أكثر، وأثبت؛ لم ير أحدا من الصحابة - باتفاق أهل الحديث -، وإن كان عاصر بعضهم - على رأي الحنفية -، وبالغ في مدينة العلوم في ‏(‏3/ 122‏)‏ إثبات اللقاء والرواية عن بعضهم، وليس كما ينبغي، قال‏:‏ وقد ثبت بهذا التفصيل أن الإمام من التابعين، وإن أنكر أصحاب الحديث كونه منهم، إذ الظاهر أن أصحابه أعرف بحاله منهم‏.‏ انتهى‏.‏

وفيه نظر واضح، لأن معرفة أهل الحديث بوفيات الصحابة وأحوال التابعين، أكثر من معرفة أصحاب الرأي بها، وقولهم‏:‏ ‏(‏إن المثبت أولى من النافي‏)‏ تعليل لا تعويل عليه، ولاعبرة بكثرة مشائخه - رحمهم الله -؛ أيضا بالنسبة إلى مشائخ الشافعي - رحمه الله - فإن الاعتبار بالثقة، دون كثرة المشيخة؛ وقد ضعَّف المحدثون أبا حنيفة - رحمه الله - في الحديث، وهو كذلك، كما يظهر من الرجوع إلى فقه مذهب هذا الإمام، وتصرفاته في الكلام، - والإنصاف خير الأوصاف -، ولم يكن هو عالما حق العلم، بلغة العرب ولسانهم‏.‏

والكتب المؤلفة في ترجمته كثيرة، يوجد بعضها، فهي تغني عن الإطالة في هذا المقام‏.‏

والكلام على ترجيح فقه إمام ومذهبه، على فقه إمام آخر ومذهبه‏:‏ ليس من العلم شيء‏.‏

وأكثر من ابتلي بأمثال هذه الخرافات هم‏:‏ المقلدون للمذاهب، والمتمذهبون للمشارب، والحقُّ‏:‏ عدم الترجيح، وأحكم المذاهب وأصوبها وأشرفها ماكان موافقا للكتاب والسنة، بعيدا عن شوائب الآراء والمظنة، - وبالله التوفيق، وبيده أزمة التدقيق والتحقيق‏.‏

 الإمام مالك بن أنس

صاحب كتاب‏:‏ الموطأ، في الحديث الشريف؛ عالم المدينة وإمامها؛ أحد المجتهدين الأربعة؛ مات وله تسعون سنة، وقبره بالمدينة، على شط بقيع الغرقد؛ وكان وفاته في أيام الرشيد؛ ولد وأسنانه ثابتة، فسمي‏:‏ ضحاكا، - أضحكه الله في جناته -‏.‏

أخذ عنه العلم جماعة كثيرة، منهم‏:‏ الشافعي، قال‏:‏ إذا ذكر العلماء فمالك ‏(‏3/ 123‏)‏ النجم، وإذا جاء الحديث عنه، فاشدد يديك به‏.‏

وقال مالك‏:‏ ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما هو نور يضعه الله تعالى في القلب‏.‏

قال في مدينة العلوم‏:‏ إنه لا يفي بتعداد فضائل هذا الطود العظيم الأشم، والبحر الزخار الأطم، بطون الكتب، ومضامين الأسفار، فضلا عن هذه الأوراق والسطور‏.‏ انتهى‏.‏

وهو كذلك، وكتابه الموطأ‏:‏ في الطبقة الأولى من كتب الحديث عند المحققين، وكان شارحه - صاحب المصفى والمسوى - شديد الاعتناء به، حتى قال‏:‏ إن المقصود في هذه الدورة، العمل بالموطأ، وترك العمل بغيره من التفريعات والكتب‏.‏

وهذا يدل على عظمة رتبة هذا التأليف‏.‏

توفي في سنة تسع، أو ثمان وسبعين ومائة؛ وقد ذكرت له ترجمة حافلة في كتابي‏:‏ الحطة في ذكر الصحاح الستة، وإتحاف النبلاء، فارجع إليهما‏.‏

 الإمام محمد بن إدريس الشافعي

القرشي، ثالث المجتهدين، وأعلم العلماء الربانيين، لما حملت به أمه‏:‏ رأت كأن المشتري خرج من بطنها، وانقض، ووقع في كل بلدة منه شظية، فعبَّر المُعبِّر‏:‏ أنه يخرج من بطنك عالم عظيم، فكان كما عبر‏.‏

وهو‏:‏ أول من دون علم أصول الفقه، ورزق السعادة التامة في علمه‏.‏

قال أحمد بن حنبل‏:‏ كان الشافعي كالشمس للنهار، وكالعافية للناس، وإني لأدعو له في أثر صلاتي‏:‏ ‏(‏اللهم اغفر لي، ولوالدي، ولمحمد بن إدريس الشافعي‏)‏‏.‏

قال في مدينة العلوم‏:‏ وبالجملة، هو‏:‏ عالم الدنيا، وعالم الأرض شرقا وغربا، جمع الله له من العلوم والمفاخر مالم يجمع لإمام بعده، وفضائله أكثر من أن تحصى، لا يسعها إلا المجلدات‏.‏

حدث عنه أحمد بن حنبل وغيره؛ مات بمصر، سنة 206، وله أربع وخمسون سنة؛ واتفق العلماء قاطبة من‏:‏ أهل الفقه، والأصول، والحديث، واللغة، والنحو، وغيرها، ‏(‏3/ 124‏)‏ على أمانته، وعدالته، وزهده، وورعه، وتقواه، وجوده، وحسن سيرته، وعلو قدره؛ فالمطنب في وصفه مقصر، والمسهب في مدحه مقتصر، وقد كثرت في ذلك المجلدات، الكبار، ولم تبلغ ساحل هذا البحر؛ وقد اعتنى جماعة من أهل العلم بترجمته مفردة‏.‏

 الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني

المروزي؛ إمام أهل السنة بلا مدافع، وقدوة أهل الحديث بغير منازع‏.‏

ولد ببغداد، سنة 164؛ ومات بها سنة 241، وله سبع وسبعون سنة، به عرف صحيح الحديث من ضعيفه، والمجروح من المعدّل‏.‏

رحل إلى الكوفة، والبصرة، ومكة، واليمن، والشام، والجزيرة، وكتب عن علمائها‏.‏

وسمع الحديث من شيوخ بغداد، وسمع منه الشيخان الكبيران‏:‏ البخاري ومسلم، وأبو زرعة، وأبو داود السجستاني، وخلق كثير سواهم، وفضائله كثيرة، ومناقبه جمة في الإسلام، وآثاره مشهورة، ومقاماته في الدين مذكورة، وهو رابع المجتهدين المعوَّل على قوله، ورأيه، وروايته‏.‏

قال ابن راهويه‏:‏ هو حجة بين الله وبين عباده في أرضه، وكان يحفظ ألف ألف حديث، وكانت مجالسته مجالسة الآخرة، لا يذكر من أمر الدنيا شيئا، ضرب تسعة وعشرين سوطا على إنكار خلق القرآن‏.‏

قال أحمد بن محمد الكندي‏:‏ رأيته في المنام فقلت‏:‏ ما صنع الله بك‏؟‏ قال‏:‏ غفر لي ربي، وقال‏:‏ يا أحمد، ضُربت فيَّ‏؟‏ قلت‏:‏ نعم يا رب، قال‏:‏ هذا وجهي انظر إليه، قد أبحتك النظر إليه‏.‏

ولما مات صلى عليه من المسلمين من لا يحصى، ومسح موضع الصلاة عليه، فوجدوا موقف ألفي ألف وثلاثمائة ألف ذراع ونحوها، ذكرت له ترجمة كافية في كتابي‏:‏ الحطة، وإتحاف النبلاء‏.‏ ‏(‏3/ 125‏)‏

وقد ألفتْ في مناقب هؤلاء الأربعة صحف كثيرة مستقلة، لا حاجة بعدها إلى إطالة الكلام لهم في هذا المقام‏.‏

وأعلم الأربعة بعلم الحديث، وأستاذ الكل فيه‏:‏ هو ذاك أحمد الإمام، ولولاه لم يكن لمذهب السنة بقاء في الدنيا، وإليه تنتهي رياسة علم السنة وأهلها، وظهر في أهل نحلته الأئمة المجتهدون، على كثرة لا يعلم مثلها في مذهب آخر، ورزق السعادة الكاملة في علمه ودينه‏.‏

وقد ذكر في مدينة العلوم، بعد تراجم الأئمة الأربعة، تراجم غالب علماء المذهب الحنفي بالبسط التام، لكونه من الحنفية، وليس ذكرها من غرضنا في هذا الكتاب، كذلك ذكر تراجم غيرهم من فقهاء المذاهب الثلاثة، لأن تراجمهم مذكورة في كتب الطبقات، كل واحد من هؤلاء مسطورة في محلها، وهم أكثر من أن تحصى، وأزيد من أن تستقصى، وذكرهم يستدعي مجلدات ضخيمة، وأسفار عظيمة‏.‏

والأئمة منهم‏:‏ معروفون مشهورون، وإنما أشرنا إلى تراجم الأربعة المجتهدين، لكونهم أئمة الفقهاء المتقدمين والمتأخرين‏.‏

وهاهنا أشير إلى أسمائهم - رحمهم الله -‏:‏

فمن ‏(‏الأئمة الحنفية‏)‏‏:‏

الإمام القاضي‏:‏ أبو يوسف، وكان من أهل الاجتهاد‏.‏

والإمام‏:‏ محمد، وقد بلغ رتبة الاجتهاد أيضا‏.‏

وابن المبارك، المحدث، المروزي‏.‏

والإمام‏:‏ داود بن نصير الطائي، الكوفي‏.‏

ووكيع بن الجراح‏.‏

ويحيى بن زكريا‏.‏

والحسن بن زياد اللؤلؤي، الكوفي‏.‏

وحماد بن أبي حنيفة الإمام‏.‏ ‏(‏3/126‏)‏

وإسماعيل بن حماد، المذكور‏.‏

ويوسف بن خالد، صاحب أبي حنيفة‏.‏

وعافية بن يزيد الكوفي‏.‏

وحبان، ومندل‏:‏ ابنا علي الغزي‏.‏

وعلي بن مسهر الكوفي‏.‏

والقاسم بن معن‏.‏

وأسد بن عمرو بن عامر‏.‏

وأحمد، أبو حفص الكبير‏.‏

وخلف بن أيوب، من أصحاب الإمام محمد‏.‏

وشداد بن حكم، من أصحاب زفر - رحمه الله -‏.‏

وموسى بن نصر الدين الرازي‏.‏

وموسى بن سليمان الجوزجاني‏.‏

وهلال بن يحيى النصري‏.‏

ومحمد بن سماعة‏.‏

وأبو مطيع، الحكم بن عبد الله القاضي، راوي كتاب‏:‏ الفقه الأكبر، عن أبي حنيفة‏.‏

قال في المدينة‏:‏ إن الأئمة الحنفية أكثر من أن تحصى، لأنهم قد طبقوا أكثر المعمورة، حتى قيل‏:‏ إن لأبي حنيفة - رحمه الله - سبعمائة وثلاثين رجلا من تلامذته، وهذا ما عرف منهم، وما لم يعرف فأكثر من ذلك‏.‏ انتهى‏.‏

ثم ذكر الكتب المعتبرة في الفقه الحنفي، على ما هو المشهور في ذلك الزمان، وهي مذكورة في‏:‏ كشف الظنون، على وجه البسط والتفصيل، مع ذكر الحواشي عليها، والشروح لها‏.‏

قال‏:‏ واعلم أن استقصاء الأئمة الحنفية وتصانيفهم، خارج عن طوق هذا المختصر‏.‏

فلنذكر بعد ذلك نبذا من‏:‏ ‏(‏الأئمة الشافعية‏)‏

ليكون الكتاب كامل الطرفين، حائز الشرفين، وهؤلاء صنفان‏:‏

أحدهما‏:‏ من تشرف بصحبة الإمام الشافعي‏.‏

والآخر‏:‏ من تلاهم من الأئمة‏.‏

أما الأول‏:‏‏(‏من تشرف بصحبة الإمام الشافعي‏)‏

فمنهم‏:‏ أحمد بن خالد الخلال، أبو جعفر البغدادي؛ وأحمد بن سنان ‏(‏3/ 127‏)‏ الواسطي؛ وأحمد بن صالح، أبو جعفر الطبري؛ وأحمد بن أبي سرح الصباح؛ وأحمد بن عبد الرحمن القرشي؛ وأحمد بن عمرو بن السرح الأموي؛ والإمام‏:‏ أحمد بن حنبل، المشهور في الآفاق؛ وأحمد بن محمد الوليد؛ ويقال‏:‏ عون بن عقبة؛ وأحمد بن يحيى البغدادي، المتكلم؛ وأحمد بن الوزير المصري؛ وأحمد بن سريج الرازي؛ ومحمد بن عبد الحكم المصري؛ ومحمد بن الإمام الشافعي؛ وأبو ثور، إبراهيم بن خالد البغدادي؛ وإبراهيم بن محمد، ابن عم الشافعي؛ وإبراهيم بن محمد بن هرم؛ وإسماعيل بن يحيى، أبو إبراهيم المزني؛ وبحر بن نصر الخولاني؛ وحارث النقال؛ وحسن بن محمد الصباح، البغدادي، الزعفراني؛ وحسين بن علي الكراسي؛ والحسن الفلاس؛ وحرملة التجيبي؛ وربيع بن سليمان الجبري، المصري؛ وربيع بن سليمان المرادي؛ وسليمان بن داود العباسي؛ وأبو بكر، الحميد بن زهير؛ وعبد العزيز، أبو علي الخزاعي؛ وعبد العزيز الكناني؛ وفضل بن ربيع؛ والقاسم بن سلاّم - بتشديد اللام -؛ وقحزم الأسواني، وهو‏:‏ آخر من صحب الشافعي - رحمه الله - موتا؛ وموسى بن أبي الجارود المكي؛ ويوسف بن يحيى البويطي، وبويط‏:‏ من صعيد مصر؛ ويونس بن علي الصدفي، المصري‏.‏

وأما الصنف الثاني‏:‏ ‏(‏من تلاهم من الأئمة الشافعية‏)‏

فمنهم‏:‏ محمد بن إدريس، أبو حاتم الرازي؛ ومحمد بن إسماعيل البخاري؛ ومحمد بن علي الحكيم، الترمذي، الصوفي؛ ومحمد بن نصر المروزي؛ والجنيد بن محمد البغدادي، سيد الطائفة الصوفية؛ وحارث بن أسد المحاسبي؛ وداود بن علي البغدادي، إمام أهل الظاهر؛ وسليمان بن الأشعث السجستاني؛ والحافظ‏:‏ أبو سعيد الدارمي، محدث هراة؛ وأبو تراب، عسكر بن محمد التخشبي، وتخشب‏:‏ بلدة من بلاد ما وراء النهر، عُرِّبت، فقيل لها‏:‏ نسف؛ والنسائي، صاحب السنن؛ وأحمد بن شريح القاضي؛ وأحمد بن محمد، أبو علي الرودباري؛ وأبو منصور، محمد بن أحمد الأزهري، اللغوي؛ وأبو زيد، محمد بن أحمد الفاشاني، المروزي؛ وأبو بكر، محمد بن أحمد الحداد، المصري؛ وأبو جعفر، ‏(‏3/ 128‏)‏ محمد بن جرير الطبري، أحد أئمة الدنيا، علما ودينا؛ ومحمد بن خفيف الشيرازي؛ وأبو سهل، محمد بن سليمان الصعلوكي؛ وأبو بكر الصيرفي، محمد بن عبد الله؛ وأبو الحسن علي، شيخ الأشاعرة؛ وأبو إسحاق الشيرازي، إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي؛ وأبو إسحاق الإسفرائني، إبراهيم بن محمد؛ وإسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني؛ وأبو القاسم القشيري، حسن بن علي؛ وأبو الطيب، سهل بن محمد الصعلوكي؛ والقاضي، أبو الطيب، طاهر بن عبد الله الطبري، وله مناظرات مع أبي الحسن القدوري - من الحنفية -‏.‏

- والعراقيون‏:‏ إذا أطلقوا لفظ القاضي، يعنون‏:‏ إياه‏.‏

والخراسانيون‏:‏ يعنون‏:‏ القاضي حسين‏.‏

والأشعرية في الأصول‏:‏ يعنون‏:‏ القاضي أبا بكر الباقلاني‏.‏

والمعتزلة‏:‏ عبد الجبار الإسترابادي -

والقفال، المروزي، الصغير، واسمه‏:‏ عبد الله ابن أحمد، وهو المراد عند الإطلاق، والأكبر يقيد بالشاشي؛ وابن هوازن القشيري؛ وأبو محمد الجويني، والد إمام الحرمين؛ وأبو نصر ابن الصباغ؛ وعبد القاهر التميمي، أبو منصور البغدادي؛ وعبد القاهر الجرجاني؛ وأبو المعالي، إمام الحرمين؛ وأبو الحسن الماوردي، صاحب‏:‏ الحاوي، والإقناع؛ وأبو حيان التوحيدي؛ وأبو المظفر السمعاني؛ وأبو حامد الغزالي، صاحب‏:‏ الإحياء؛ ومحمد الخيوشاني؛ ومحيي السنة‏:‏ الفراء البغوي؛ وأبو المحاسن الروياني؛ والحافظ‏:‏ ابن عساكر؛ والشيخ‏:‏ صدر الدين القونوي؛ والإمام‏:‏ فخر الدين الرازي؛ والشيخ‏:‏ عز الدين بن عبد السلام؛ ومن تلامذته‏:‏ ابن دقيق العيد؛ وأبو القاسم الرافعي؛ وأبو نصر الشهروزي؛ وأبو القاسم الصوفي؛ وأبو الفتح الموصلي؛ وأبو العباس، أحمد بن محمد، شارح الوسيط؛ ومحمد التركماني، الذهبي، الحافظ؛ والقاضي‏:‏ جلال الدين القزويني؛ والصفي الهندي؛ وابن الزملكاني؛ ومحمد بن سيد الناس، الحافظ؛ والحافظ‏:‏ علم الدين العراقي، الضرير؛ وعلي ابن عبد الكافي السبكي، الكبير؛ وابن خطاب الباجي؛ والقاضي‏:‏ شرف الدين البارزي‏.‏ انتهى‏.‏ ‏(‏3/ 129‏)‏

ثم ذكر لهؤلاء تراجم مختصرة ومطولة، كما ذكر تراجم الفقهاء الحنفية، ولم يذكر للأئمة المالكية والحنبلية تراجم، ولعل الوجه في ذلك كثرة أولئك، وقلة هؤلاء، - وقليل من عبادي الشكور - ولكن تغني عن ذلك كتب الطبقات المختصة، لتراجم المالكية والحنابلة، وهي لم تغادر أحدا منهم‏.‏

وقد ذكر القاضي‏:‏ أبو اليمن، مجير الدين الحنبلي، في كتاب‏:‏ الأنس الجليل، بتاريخ القدس والخليل‏:‏ جماعة من علماء المذاهب الأربعة وقضاتهم، الذين كانوا في إيلياء، ومنهم علماء الحنابلة، وكذا ذكرهم ابن رجب الحنبلي في طبقاته، وغيره من أهل التاريخ والسير، في كتبهم الموضوعة لذلك‏.‏

والذين ترجم لهم صاحب مدينة العلوم، أكثرهم من رجال وفيات الأعيان لابن خلكان، وقد رددت عليه رجالا منه ومن غيره، وأشرت إلى المآخذ، وتركت تراجم غالب العلماء تحت كل علم مذكور ها هنا، وأومأت إلى أسمائهم، ليسهل المراجعة للطالب، إلى معرفة كل واحد منهم من المآخذ‏.‏

وأذكر الآن‏:‏ جماعة من علماء الحديث والقرآن، ثم أُردف ذلك‏:‏ ذكر طائفة من علماء الهند المشهورين، المشار إليهم في العلوم النقلية والعقلية، ولم أدرجهم تحت علماء العلوم المذكورة هاهنا، لسهولة الضبط والربط، وهم مشاركو الجميع - إلا ما شاء الله تعالى فليكن ذلك على ذكر منك، وما ذكرناه من علماء الحرمين واليمن، فأكثرهم مشائخ مشائخنا، وهم في سلسلة الإسناد لنا‏.‏

 ذكر حفاظ الإسلام

والمراد بهؤلاء في هذا الموضع، الذين لم يقلدوا واحدا من أهل الاجتهاد، ولم يكونوا أصحاب الرأي غالبا، وهم المفسرون المتقنون، والمحدثون المصنفون، لكتب التفاسير والسنن على اختلاف أنواعها، وتباين أنحائها، سيما الأئمة منهم، وإن انتسب بعضهم في الظاهر إلى أحد من المجتهدين، فهو في الحقيقة ليس منتسبا إليه، بل تابعٌ ‏(‏3/ 130‏)‏ للقرآن والحديث، مجتهد بنفسه في علمه وعمله، - والله أعلم بالصواب -‏.‏

 شيخ الإسلام ابن تيمية

تقي الدين، أبو العباس، أحمد بن المفتي‏:‏ شهاب الدين عبد الحليم بن شيخ الإسلام‏:‏ مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تيمية، الحراني، الحنبلي

مولده - رحمه الله، ورحمنا به -‏:‏ بحرَّان، يوم الإثنين، عاشر ربيع الأول، سنة إحدى وستين وستمائة، هاجر والده به وبإخوته إلى الشام من جور التتر، وعني الشيخ تقي الدين بالحديث، ونسخ جملة من الكتب، وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، ثم أقبل على الفقه، وقرأ أياما في العربية، على ابن عبد القوي، ثم فهمها، وأخذ يتأمل كتاب سيبويه حتى فهمه، وبرع في النحو، وأقبل على التفسير إقبالا كليا، حتى سبق فيه، وأحكم أصول الفقه، كل هذا وهو ابن بضع عشرة سنة، فانبهر الفضلاء من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وإدراكه، ونشأ في تصون تام، وعفاف، وتعبد، واقتصاد في الملبس والمأكل، وكان يحضر المدارس والمحافل في صغره، فيناظر ويفحم الكبار، ويأتي بما يتحيرون منه، وأفتى وله أقل من تسع عشرة سنة، وشرع في الجمع والتأليف، ومات والده وله إحدى وعشرون سنة، وبعد صيته في العالم، فطبق ذكره الآفاق، وأخذ في تفسير الكتاب العزيز أيام الجمع، على كرسي من حفظه، فكان يورد المجلس ولا يتلعثم، وكذلك الدرس، بتؤدة وصوت جهوري فصيح، يقول في المجلس أزيد من كراسين، ويكتب على الفتوى في الحال عدة أوصال، بخط سريع، في غاية التعليق والإغلاق‏.‏

قال الشيخ العلامة، كمال الدين بن الزملكاني - علم الشافعية - في خط كتبه في حق ابن تيمية‏:‏ كان إذا سئل عن فن من العلم، ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم بأن لا يعرفه أحد مثله، وكانت الفقهاء من سائر الطوائف، إذا جالسوه استفادوا في مذاهبهم منه أشياء‏.‏

قال‏:‏ ولا يُعرف أنه ناظر أحدا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم، سواء ‏(‏3/ 131‏)‏ كان من علوم الشرع أو غيرها، إلا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها‏.‏ انتهى كلامه‏.‏

وكانت له خبرة تامة بالرجال، وجرحهم، وتعديلهم، وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث، وبالعالي والنازل، والصحيح والسقيم، مع حفظه لمتونه الذي انفرد به، وهو عجيب في استحضاره، واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة والمسند، بحيث يصدق عليه أن يقال‏:‏ كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث، ولكن الإحاطة لله، غير أنه يغترف فيه من بحر، وغيره من الأئمة يغترفون من السواقي‏.‏

أما التفسير فسلم إليه، وله في استحضار الآيات للاستدلال قوة عجيبة، ولفرط إمامته في التفسير، وعظمة اطلاعه، بَيَّن خطأ كثيرا من أقوال المفسرين، ويكتب في اليوم والليلة من‏:‏ التفسير، أو من الفقه، أو من الأصلين، أو من الرد على الفلاسفة والأوائل، نحوا من أربعة كراريس، وما يبعد أنّ تصانيفه إلى الآن تبلغ خمسمائة مجلدة، وله في غير مسألة مصنف مفرد، كمسألة التحليل، سماه‏:‏ بيان الدليل على إبطال التحليل، مجلد، وغيرها‏.‏

وله‏:‏ مصنف في الرد على ابن مطهر الرافضي الحلي، في ثلاث مجلدات كبار، سماه‏:‏ منهاج السنة النبوية، في نقض كلام الشيعة والقدرية‏.‏وتصنيف في‏:‏ الرد على تأسيس التقديس للرازي، في سبع مجلدات‏.‏

وكتاب في‏:‏ الرد على المنطق، وكتاب في‏:‏ الموافقة بين المعقول والمنقول، في مجلدين؛ وقد جمع أصحابه من فتاواه ست مجلدات كبار؛ وله باع طويل في معرفة مذاهب الصحابة والتابعين، قلّ أن يتكلم في مسألة إلا ويذكر فيها مذاهب الأربعة، وقد خالف الأربعةَ في مسائل معروفة، وصنف فيها، واحتج لها بالكتاب والسنة‏.‏

وله‏:‏ مصنف، سماه‏:‏ السياسة الشرعية، في إصلاح الراعي والرعية‏.‏ ‏(‏3/ 132‏)‏

وكتاب‏:‏ رفع الملام، عن الأئمة الأعلام‏.‏

وبقي عدة سنين لا يفتى بمذهب معين، بل بما قام الدليل عليه عنده، ولقد نصر السنة المحضة، والطريقة السلفية، واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون، وهابوا، وجسر هو عليها، حتى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قياما لا مزيد عليه، وبدَّعوه، وناظروه، وكابروه، وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي، بل يقول الحق المر الذي أدى إليه اجتهاده، وحدة ذهنه، وسعة دائرته في السنن والأقوال‏.‏

وجرى بينه وبينهم حملات حربية، ووقعات شامية ومصرية‏.‏

وكان مُعظِّما لحرمات الله، دائم الابتهال، كثير الاستعانة، قوي التوكل، ثابت الجأش، له أوراد وأذكار يديمها، وله من الطرف الآخر محبون من‏:‏ العلماء، والصلحاء، والجند، والأمراء، والتجار، والكبراء، وسائر العامة تحبه، بشجاعته تضرب الأمثال، وببعضها يتشبه أكابر الأبطال، ولقد أقامه الله في نوبة غازان، والتقى أعباء الأمر بنفسه، واجتمع بالملك مرتين، وبخلطو شاه، وبولان، وكان قيحق يتعجب من إقدامه، وجرأته على المغل‏.‏

قال القاضي المنشي، شهاب الدين، أبو العباس، أحمد بن فضل الله في ترجمته‏:‏ جلس الشيخ إلى السلطان محمود غازان، حيث تجمُّ الأُسْدُ في آجامها، وتسقط القلوب دواخل أجسامها، وجد النار فتورا في ضرومها، والسيوف فرقا في قرمها، خوفها من ذلك السبع المغتال، والنمروذ المحتال، والأجل الذي لا يدفع بحيلة محتال، فجلس إليه، وأومى بيده إلى صدره، وواجهه ودار في نحره، وطلب منه الدعاء، فرفع يديه، ودعاء منصف أكثره عليه، وغازان يؤمِّن على دعائه‏.‏

وكتب ابن الزملكاني على بعض تصانيف ابن تيمية - رحمه الله - هذه الأبيات‏:‏

ماذا يقول الواصفون له ** وصفاته جلت عن الحصر

هو حجة لله قاهرة ** هو بيننا أعجوبة العصر ‏(‏3/ 133‏)‏

هو آية في الخلق ظاهرة ** أنوارها أربت على الفجر

قال القاضي، أبو الفتح، ابن دقيق العيد‏:‏ لما اجتمعت بابن تيمية، رأيت رجلا كل العلوم بين عينيه، يأخذ ما يريد، ويدع ما يريد؛ وحضر عنده شيخ النحاة‏:‏ أبو حيان، وقال‏:‏ ما رأت عيناي مثله، وقال فيه على البديهية أبياتا، منها‏:‏

قام ابن تيمية في نصر شرعتنا ** مقام سيد تيم إذ عصت مضر

فأظهر الحق إذ آثاره درست ** وأخمد الشر إذ طارت له الشرر

كنا نحدث عن حبر يجيء فها ** أنت الإمام الذي قد كان يُنتظر

قال ابن الوردي في تاريخه‏:‏ بعد ذلك كله، هو أكبر من أن ينبه مثلي على نعوته، فلو حلفت بين الركن والمقام، لحلفت أني ما رأيت بعيني مثله، ولا رأى هو مثل نفسه في العلم، وكان فيه قلة مداراة، وعدم تؤدة غالبا، ولم يكن من رجال الدول، ولا يسلك معهم تلك النواميس، وأعان أعداءه على نفسه، بدخوله في مسائل كبار، لا يحتملها عقول أبناء زماننا ولا علومهم، كمسألة‏:‏ التكفير في الحلف بالطلاق، ومسألة‏:‏ أن الطلاق بالثلاث لا يقع إلا واحدة، وأن الطلاق في الحيض لا يقع‏.‏

وساس نفسه سياسة عجيبة، فحبس مراتب بمصر، ودمشق، والإسكندرية، وارتفع وانخفض، واستبد برأيه، وعسى أن يكون ذلك كفارة له، وكم وقع في صعب بقوة نفسه وخلصه الله‏!‏ وله نظم وسط، ولم يتزوج، ولا تسرى، ولا كان له من المعلوم إلا شيء قليل، وكان أخوه يقوم بمصالحه، وكان لا يطلب منهم غداء ولا عشاء غالبا، وما كانت الدنيا منه على بال، وكان يقول في كثير من أحوال المشائخ‏:‏ إنها شيطانية أو نفسانية؛ فَيُنظر في متابعة الشيخ الكتاب والسنة، فإن كان كذلك، فحاله صحيح، وكشفه رحماني غالبا، وما هو بالمعصوم، وله في ذلك عدة تصانيف، تبلغ مجلدات، من أعجب العجب، وكم عوفي من صرع الجني إنسان، بمجرد تهديده للجني‏!‏ وجرت له في ذلك فصول، ولم يفعل أكثر من أن يتلو آيات ‏(‏3/ 134‏)‏ ويقول‏:‏ إن تنقطع من هذا المصروع، وإلا عملنا معك حكم الشرع، وإلا عملنا معك ما يرضي الله ورسوله‏.‏

وفي آخر الأمر ظفروا له بمسألة السفر، لزيارة قبور النبيين، وأن السفر وشد الرحال لذلك منهي عنه، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد‏)‏ مع اعترافه بأن الزيادة بلا شد رحل قربة، فشنّعوا عليه بها، وكتب فيها جماعة‏:‏ بأنه يلزم من منعه شائبة تنقيص للنبوة، فيكفر بذلك‏.‏

وأفتى عدة‏:‏ بأنه مخطئ بذلك خطأ المجتهدين المغفور لهم، ووافقه جماعة، وكبرت القضية، فأعيد إلى قاعة بالقلعة، فبقي بضعة وعشرين شهرا، و آل الأمر إلى أن منع من الكتابة والمطالعة، وما تركوا عنده كراسا ولا دواة، وبقي أشهرا على ذلك، فأقبل على التلاوة، والتهجد، والعبادة، حتى أتاه اليقين، فلم يفجأ الناس إلا نعيه، وما علموا بمرضه، فازدحم الخلق عند باب القلعة، وبالجامع، زحمة صلاة الجمعة وأرجح، وشيّعه الخلق من أربعة أبواب البلد، وحمل على الرؤوس، وعاش سبعا وستين سنة، وأشهرا، وكان أسود الرأس، قليل شيب اللحية، ربعة، جهوري الصوت، أبيض، أعين‏.‏

قلت‏:‏ تَنقّص مرة بعضُ الناس من ابن تيمية، عند القاضي ابن الزملكاني، وهو بحلب، وأنا حاضر، فقال‏:‏ ومن يكون مثل الشيخ تقي الدين في زهده، وصبره، وشجاعته، وكرمه، وعلومه، والله لولا نعرضه للسلف، لزاحمهم بالمناكب؛ وهذه نبذة من ترجمة الشيخ مختصرة، أكثرها من‏:‏ الدرة اليتيمية، في السيرة التيمية، للإمام، الحافظ‏:‏ شمس الدين، محمد الذهبي - رحمه الله -‏.‏

قال ابن الوردي‏:‏ وفيها، أي‏:‏ سنة 723، ليلة الإثنين والعشرين من ذي القعدة، توفي شيخ الإسلام ابن تيمية - رضي الله عنه - معتقلا بقلعة دمشق، وغسل، وكفن، وأُخرج، وصلى عليه أولا‏:‏ بالقلعة الشيخ محمد بن تمام، ثم‏:‏ بجامع دمشق، بعد الظهر، من باب الفرج، واشتد الزحام في سوق الخيل، وتقدم عليه ‏(‏3/ 135‏)‏ في الصلاة هناك أخوه، وألقى الناس عليه مناديلهم وعمائمهم للتبرك، وتراصّ الناس تحت نعشه، وحضرت النساء خمسة عشر ألفا، وأما الرجال، فقيل‏:‏ كانوا مائتي ألف، وكثر البكاء عليه، وختمت له ختم عديدة، وتردد الناس إلى زيارة قبره أياما، ورؤيت له منامات صالحة، ورثاه جماعة‏.‏

قلت‏:‏ ورثيته أنا بمرثية، على حرف الطاء، فشاعت، واشتهرت، وطلبها مني الفضلاء والعلماء من البلاد، وهي‏:‏

عثافي عرضه قوم سلاط ** لهم من نثر جوهره الالتقاط

تقي الدين أحمد خير حبر ** خروق المعضلات به تخاط

توفي وهو محبوس فريد ** وليس له إلى الدنيا انبساط

ولو حضروه حين قضى لألفوا ** ملائكة النعيم به أحاط

واقضى نحبا وليس له قرين ** ولا لنظيره لف القماط

فتى في علمه أضحى فريدا ** وحل المشكلات به يناط

وكان إلى التُّقى يدعو البرايا ** وينهى فرقة فسقوا ولاطوا

وكان الجن تفرق من سطاه ** بوعظ للقلوب هو السياط

فيا لله ما قد ضم لحد ** ويا لله ما غطى البلاط

هم حسدوه لما لم ينالوا ** مناقبه فقد مكروا وشاطوا

وكانوا على طرائقه كسالى ** ولكن في أذاه لهم نشاط

وحبس الدر في الأصداف فخر ** وعند الشيخ بالسجن اغتباط

بآل الهاشمي له اقتداء ** فقد ذاقوا المنون ولم يواطوا

بنو تيمية كانوا فبانوا ** نجوم العلم أدركها انهباط

ولكن يا ندامة حابسيه ** فشك الشرك كان به يماط

ويا فرح اليهود بما فعلتم ** فإن الضد يعجبه الخباط

ألم يك فيكم رجل رشيد ** يرى سجن الإمام فيستشاط

إمام لا ولاية كان يرجو ** ولا وقف عليه ولا رباط

ولا جاراكم في كسب مال ** ولم يعهد له بكم اختلاط

ففيم سجنتموه وعظتموه ** أما لجزا أذيّته اشتراط

وسجن الشيخ لا يرضاه مثلي ** ففيه لقدر مثلكمُ انحطاط

أما والله لولا كتم سري ** وخوف الشر لانحل الرباط

وكنت أقول ما عندي ولكن ** بأهل العلم ما حسن اشتطاط

فما أحد إلى الإنصاف يدعو ** وكلٌّ في هواه له انخراط

سيظهر قصدكم يا حابسيه ** وننبئكم إذا نُصب الصراط

فما هو مات عنكم واسترحتم ** فعاطوا ما أردتم أن تُعاطوا

وحلوا واعقدوا من غير ردّ ** عليكم وانطوى ذاك السباط

وكنت اجتمعت به بدمشق، سنة 715، بمسجده بالقصاعين، وبحثت بين يديه في فقه، وتفسير، ونحو، فأعجبه كلامي، وقبّل وجهي، وإني لأرجو بركة ذلك، وحكى لي عن واقعته المشهورة في جبل كسروان، وسهرت عنده ليلة، فرأيت من فتوته، ومروءته، ومحبته لأهل العلم، - ولا سيما الغرباء منهم - أمرا كثيرا، وصليت خلفه التراويح في رمضان، فرأيت على قراءته خشوعا، ورأيت على صلاته رقة حاشية، تأخذ بمجامع القلوب‏.‏ انتهى كلام الإمام‏:‏ زين الدين، عمر بن الوردي، المتوفى بحلب، سنة 749 - رحمه الله تعالى - بعبارته‏.‏

وقد ذكرت لابن تيمية - رحمه الله - ترجمة حافلة بالفارسية، في كتابي‏:‏ ‏(‏‏(‏إتحاف النبلاء المتقين‏)‏‏)‏‏.‏

وله - قدس سره - تراجم كثيرة حسنة، اعتنى بجمعها جمع جمٌّ من العلماء الفضلاء‏.‏

منها‏:‏ كتاب القول الجلي، في ترجمة شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية الحنبلي، للسيد صفي الدين، أحمد الحنفي، البخاري، نزيل نابلس، - رحمه الله -، وهو‏:‏ جزء ‏(‏3/ 137‏)‏ لطيف، وعليه تقريظ للشيخ، العلامة‏:‏ محمد التافلاني، مفتي الحنفية بالقدس الشريف؛ وتقريظ للشيخ‏:‏ عبد الرحمن الشافعي، الدمشقي، الشهير‏:‏ بالكزبري‏.‏

ومنها‏:‏ كتاب الكواكب الدرية، في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية، للشيخ، الإمام، العلامة‏:‏ مرعي‏.‏

ومنها‏:‏ كتاب ‏(‏الرد الوافر، على من زعم أنّ‏:‏ من سمَّى ابن تيمية شيخَ الإسلام، كافر‏)‏، للشيخ، الإمام، الحافظ‏:‏ أبي عبد الله، محمد بن شمس الدين أبي بكر بن ناصر الدين الشافعي، الدمشقي؛ وعليه تقريظ للحافظ‏:‏ ابن حجر العسقلاني، صاحب‏:‏ فتح الباري؛ وتقريظ لقاضي القضاة‏:‏ صالح بن عمر البلقيني - رحمه الله -؛ وتقريظ للشيخ، الإمام‏:‏ عبد الرحمن التفهني، الحنفي؛ وتقريظ للشيخ، العلامة،‏:‏ شمس الدين، محمد بن أحمد البساطي، المالكي؛ وتقريظ للقاضي، الفهامة‏:‏ نور الدين، محمود بن أحمد العيني، الحنفي، وهذا‏:‏ أطول التقاريظ؛ وهي التي كتبوها في سنة 835؛ وأيضا عليه تقريظ للإمام، العلامة، قاضي قضاة الحنابلة، بالديار المصرية‏:‏ أبي العباس، أحمد بن نصر الله بن أحمد البغدادي، ثم المصري، كتبه في سنة 836، بصالحية دمشق، بدار الحديث الأشرفية، وتقريظ لمحدث حلب، الحافظ، الإمام‏:‏ أبي الوفا، إبراهيم بن محمد النعيم رضوان بن محمد بن يوسف العقبي، المصري، الشافعي؛ ثم قرظ عليه غيرهم من سائر البلدان‏:‏ كالقاضي، سراج الدين الحمصي، الشافعي؛ وخلق كثير‏.‏

وكان قد نبغ شخص في المائة التاسعة - يُسمَّى‏:‏ علاء الدين، محمد البخاري - بدمشق، تعصَّب على الشيخ، وأفتى بكفره، وكفَّر من سماه‏:‏ شيخ الإسلام، فرد عليه في هذا الكتاب، وعدّد من سماه‏:‏ شيخ الإسلام من أئمة جميع المذاهب، منهم‏:‏ خصومه، كالسبكي، وغيره؛ وبعد إتمامه أرسله إلى مصر، فقرّظ عليه من تقدم ذكرهم‏.‏

وممن مدح شيخ الإسلام بقصائد حسنة طويلة‏:‏ الشيخ، العلامة، إسحاق بن أبي بكر النزلي، المصري، الفقيه، المحدث، نجم الدين، أبو الفضل، أولها‏:‏

يعنفني في بغيتي رتبة العلى ** جهول أراه راكبا غير مركبي ‏(‏3/ 138‏)‏

إلى آخرها، وهي نفيسة جدا‏.‏

وهذه التقاريظ المشار إليها كلها، بمنزلة تراجم مفيدة، وهي تفصح عن علو مكان شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في العلوم والمعلومات‏.‏

وقد أقر بفضله، وبلوغه رتبة الاجتهاد، من لا يحصى كثرة، منهم‏:‏ الحافظ‏:‏ الذهبي، والسيوطي، والسخاوي، والمزي، والحافظ‏:‏ ابن كثير، وابن دقيق العيد، والحافظ‏:‏ فتح الدين اليعمري، المعروف‏:‏ بسيد الناس، والحافظ‏:‏ علم الدين البرزالي، وغير هؤلاء‏.‏

وقد ترجم له‏:‏ الحافظ‏:‏ ابن حجر، في الدرر الكامنة؛ والعلامة‏:‏ شهاب الدين بن فضل الله العمري، في مسالك الأبصار؛ والإمام، العلامة‏:‏ ابن رجب الحنبلي، في طبقاته؛ والعلامة‏:‏ ابن شاكر، في تاريخه؛ والإمام، العالم، الحافظ‏:‏ شمس الدين، عبد الهادي، في تذكرة الحفاظ، ترجمة حافلة جدا؛ وذكر الشيخ، الفاضل‏:‏ صلاح الدين الكتبي، في فوات الوفيات، من تصانيفه كتبا جمة، لا يسع لها هذا الموضع‏.‏

وأثنى عليه‏:‏ شيخنا، العلامة، القاضي‏:‏ محمد بن علي الشوكاني، في آخر‏:‏ ‏(‏شرح الصدور، في تحريم رفع القبور‏)‏؛ وشهد أيضا بفضله، وعلمه، وسعة اطلاعه، وكمال ورعه‏:‏ مخالفوه‏.‏

منهم‏:‏ الشيخ‏:‏ كمال الدين الزملكاني؛ والشيخ‏:‏ صدر الدين بن الوكيل؛ والشيخ‏:‏ أبو الحسن، تقي الدين السبكي، الراد عليه في مسألة الزيارة‏.‏

وقد ردّ هذا الردّ صاحب كتاب‏:‏ الصارم المنكي على نحر ابن السبكي، وأجمع له - إن شاء الله تعالى - ترجمة حافلة مستقلة، في كتاب مفرز لذلك، فلنقتصر على هذا المقدار هاهنا‏.‏

 الشيخ ابن القيم

الشيخ، العلامة، الحافظ‏:‏ شمس الدين، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن القَيِّم الجوزي، الدرعي، الدمشقي، الحنبليولد سنة إحدى وتسعين وستمائة‏.‏ ‏(‏3/ 139‏)‏‏.‏

وسمع على الشيخ‏:‏ تقي الدين، سليمان القاضي؛ وأبي بكر بن عبد الدائم؛ وشيخ الإسلام‏:‏ ابن تيمية؛ والشهاب النابلسي، العابر؛ وفاطمة بنت جوهر؛ وعيسى المطعم؛ وجماعة‏.‏

وقرأ في الأصول على الصفي الهندي‏.‏

وتفقه في المذهب، وأفتى، وتفنن في علوم الأسفار، وكان عارفا بالتفسير، لا يجارى فيه؛ وبأصول الدين، وإليه فيهما المنتهى؛ وبالحديث، ومعانيه، وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يُلحق في ذلك؛ وبالفقه؛ وأصوله؛ وبالعربية؛ وله فيها اليد الطولى؛ وبعلم الكلام؛ وغير ذلك من‏:‏ كلام أهل التصوف، وإشاراتهم، ودقائقهم؛ له في كل فن من الفنون اليد الطولى، والمعرفة الشاملة‏.‏

وكان عالما بالملل، والنحل، ومذاهب أهل الدنيا، علما أتقن وأشمل من أصحابها‏.‏

وكان جريء الجنان، واسع العلم والبيان، عارفا بالخلاف ومذاهب السلف، غلب عليه حب ابن تيمية - رحمه الله - حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله، بل ينتصر له في جميع ذلك، وهو الذي هذب كتبه، ونشر علمه؛ وكان له حظ عند الأمراء المصريين، واعتقل مع شيخه ابن تيمية في القلعة، بعد أن أُهين، وطيف به على جمل مضروبا بالدرة، فلما مات شيخه أفرج عنه‏.‏

وامتُحن مرة أخرى بسبب فتاوى ابن تيمية، وكان ينال من علماء عصره، وينالون منه، وكان نيله حقا، ونيلهم باطلا‏.‏

قال الذهبي، في المختصر‏:‏ حبس مرة لإنكاره شد الرحل لزيارة قبر الخليل، ثم تصدر للاشتغال، ونشر العلم، ولكنه معجب برأيه، جريء على أمور، وكانت مدة ملازمته لابن تيمية، منذ عاد من مصر اثنتي عشرة سنة، إلى أن مات‏.‏

قال الحافظ ابن كثير‏:‏ كان ملازما للأشغال ليلا ونهارا، كثير الصلاة والتلاوة، حسن الخلق، كثير التودد، لا يحسد، ولا يحقد‏.‏ ‏(‏3/ 140‏)‏

قال‏:‏ ولا أعرف في زماننا من أهل العلم، أكثر عبادة منه، وكان يطيل الصلاة جدا، ويمد ركوعها وسجودها، وكان يُقصد للإفتاء بمسألة الطلاق، إلى أن جرت له بسببها أمور يطول بسطها، مع ابن السبكي، وغيره‏.‏

وكان إذا صلى الصبح، جلس مكانه يذكر الله حتى يتعالى النهار، وكان يقول‏:‏ هذه عبادتي حتى لو لم أعتدها سقطت قواي، وكان مغرما بجمع الكتب، فحصل منها ما لا ينحصر، حتى كان أولاده يبيعون منها بعد موته دهرا طويلا، سوى ما اصطفوه لأنفسهم منها‏.‏

وله من التصنيفات‏:‏ زاد المعاد، في هدي خير العباد، أربع مجلدات، كتاب عظيم جدا؛ وأعلام الموقعين، عن رب العالمين، ثلاث مجلدات؛ وبدائع الفوائد، مجلدان؛ وجلاء الأفهام، مجلد؛ وإغاثة اللهفان، مجلد؛ ومفتاح دار السعادة، مجلد ضخم؛ وكتاب الروح؛ وحادي الأرواح، إلى بلاد الأفراح؛ والصواعق المنزلة، على الجهمية والمعطلة، مجلدات؛ وتصانيف أخرى‏.‏

ومن نظمه‏:‏ قصيدة تبلغ سبعة آلاف بيت، سماها‏:‏ الكافية الشافية، في الانتصار للفرقة الناجية، مجلد‏.‏

ومن كلامه‏:‏ بالصبر والفقر، تنال الإمامة في الدين؛ وكان يقول‏:‏ لا بد للسالك، من همة يسيرة ترقيه، وعلم يبصره ويهديه‏.‏

وكل تصانيفه مرغوب فيها بين الطوائف، وهو طويل النفس فيها، قصدا للإيضاح، ومعظمها من كلام شيخه، يتصرف في ذلك، وله في ذلك ملكة قوية، وهمة علوية، ولا يزال يدندن حول مفرداته، وينصرها، ويحتج لها‏.‏

مات سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، ثالث عشر رجب، وكانت جنازته المقدسة حافلة جدا، ورؤيت له بعد الموت منامات حسنة، وكان هو ذكر قبل موته بمدة‏:‏ أنه رأى شيخه ابن تيمية في المنام، وأنه سأله عن‏:‏ منزلته‏؟‏ فقال‏:‏ إنه أُنزل منزلا فوق فلان، وسمَّى بعض الأكابر، ثم قال‏:‏ وأنت كدت تلحق بنا، ولكن أنت ‏(‏3/ 141‏)‏ الآن في طبقة ابن خزيمة‏.‏

قال الشيخ، العلامة، ابن رجب الحنبلي - في طبقاته -‏:‏ وكان ذا عبادة، وتهجد، وطول صلاة، إلى الغاية القصوى، وتأله، ولهج بالذكر، وشغف بالمحبة، والإنابة، والافتقار إلى الله تعالى، والانكسار له، والاطراح بين يديه، على عتبة عبوديته، لم أشهد مثله في ذلك، ولا رأيت أوسع منه علما، ولا أعرف بمعاني القرآن، والسنة، وحقائق الإيمان منه، وليس هو بالمعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله، وقد امتُحن، وأوذي مرات، وحبس مع شيخه في المرة الأخيرة بالقلعة، منفردا عنه، وكان مدةَ حبسه مشتغلا بتلاوة القرآن، بالتدبر والتفكر، ففتح عليه من ذلك خير كثير، وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة، وتسلط بسبب ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف، والدخول في غوامضهم، وتصانيفه ممتلئة بذلك، وحج مرات كثيرة، وجاور بمكة، وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة، وكثرة الطواف، أمرا يتعجب منه، ولازمت مجالسته قبل موته، أزيد من سنة، وسمعت عليه قصيدته النونية الطويلة في السنة، وأشياء من تصانيفه، وغيرها‏.‏

وأخذ عنه العلم خلق كثير في حياة شيخه، وإلى أن مات، وانتفعوا به، وكان الفضلاء يعظمونه، ويتتلمذون له‏:‏ كابن عبد الهادي، وغيره‏.‏

قال القاضي، برهان الدرعي‏:‏ ما تحت أديم السماء أوسع علما منه، درّس بالصدرية، وأمّ بالجوزية مدة طويلة، وكتب بخطه مالا يوصف كثرة، وصنف تصانيف كثيرة جدا في أنواع العلم، وكان شديد المحبة للعلم، وكتابته، ومطالعته، وتصنيفه، واقتناء كتبه، واقتنى من الكتب ما لم يحصل لغيره‏.‏

فمن تصانيفه‏:‏

كتاب‏:‏ تهذيب سنن أبي داود، وإيضاح مشكلاته، على ما فيه من الأحاديث المعلولة، مجلد‏.‏

وكتاب‏:‏ سفر الهجرتين، وباب السعادتين، مجلد ضخم‏.‏

وكتاب‏:‏ شرح منازل السائرين، كتاب جليل القدر‏.‏ ‏(‏3/ 142‏)‏

وكتاب‏:‏ شرح أسماء الكتاب العزيز، مجلد‏.‏وكتاب‏:‏ زاد المسافرين إلى منازل السعداء، في هدي خاتم الأنبياء‏.‏

وكتاب‏:‏ نقد المنقول، والمحك المميز بين‏:‏ المردود، والمقبول‏.‏

وكتاب‏:‏ نزهة المشتاقين، وروضة المحبين، مجلد‏.‏

وكتاب‏:‏ الداء والدواء، مجلد‏.‏

وكتاب‏:‏ تحفة الودود، في أحكام المولود، مجلد لطيف‏.‏

وكتاب‏:‏ اجتماع الجيوش الإسلامية، على غزو الفرقة الجهمية‏.‏

وكتاب‏:‏ رفع اليدين في الصلاة، مجلد‏.‏

وكتاب‏:‏ تفضيل مكة على المدينة، مجلد‏.‏

وكتاب‏:‏ فضل العلم، مجلد؛ وعدة الصابرين، مجلد‏.‏وكتاب‏:‏ الكبائر، مجلد؛ وحكم تارك الصلاة، مجلد‏.‏

وكتاب‏:‏ نور المؤمن وحياته، مجلد؛ وكتاب‏:‏ التحرير، فيا يحل ويحرم من لباس الحرير؛ وكتاب‏:‏ جوابات عابدي الصلبان، وأن ما هم عليه دين الشيطان؛ وكتاب‏:‏ بطلان الكيمياء من أربعين وجها؛ وكتاب‏:‏ الفرق بين الخلة والمحبة؛ وكتاب‏:‏ الكلم الطيب، والعمل الصالح؛ وكتاب‏:‏ الفتح القدسي؛ وكتاب‏:‏ أمثال القرآن؛ وكتاب‏:‏ إيمان القرآن؛ وكتاب‏:‏ مسائل الطرابلسية، ثلاث مجلدات؛ والصراط المستقيم، في أحكام أهل الجحيم؛ وكتاب‏:‏ الطاعون‏.‏ انتهى كلام ابن رجب - رحمه الله تعالى - مع الاختصار‏.‏

قلت‏:‏ وعندي من هذه الكتب أكثرها، وقد انتفعت به - بتوفيق الله تعالى - انتفاعا لا أستطيع أن أؤدي شكره، ووقفت على بعض هذه الكتب في سفر الحجاز، والتقطت منه بعض الفوائد‏.‏

وله - رحمه الله - تصانيف غير ما ذكرنا لا تحصى كثرة، ولكن عز وجودها في هذا الزمان، ونسجت عليها عناكب النسيان، وغابت عن العيان، ودرجت في خبر ‏(‏3/ 143‏)‏ كان، لمفاسد وتعصبات من أبناء الزمان، وقلة مبالاة بها من أُسراء التقليد، وظني أن من كان عنده تصنيف من تصانيف هذا الحبر العظيم الشأن، الرفيع المكان، أو تصنيف شيخه، العلامة، الإمام، ناصر الإسلام‏:‏ ابن تيمية، درة معدن الحران، أو تصنيف شيخنا، وبركتنا، القاضي‏:‏ محمد بن علي الشوكاني، شمس فلك الإيمان، أو تصانيف السيد، العلامة‏:‏ محمد بن إسماعيل الأمير، اليماني، غرة جبهة الزمان - شملتهم رحمة ربنا الرحمن في الآخرة، وخصهم الله تعالى بنعيم الرضوان والجنان - لكفى، لسعادة دنياه وآخرته، ولم يحتج بعد ذلك إلى تصنيف أحد من المتقدمين والمتأخرين، في درك الحقائق الإيمانية - إن شاء الله تعالى -، والتوفيق من الله المنان، وبيده الهداية وهو المستعان‏.‏

وكان أبو ابن القيم‏:‏ أبو بكر بن أيوب

متعبدا، قليل التكلف‏.‏

سمع على الرشيد العامري، وحدث عنه‏.‏

توفي في ذي الحجة، سنة 723‏.‏

وأما‏:‏ ولد الحافظ ابن القيم‏:‏ إبراهيم بن محمد

فمولده سنة 716، حضر على أيوب الكحال، وسمع من جماعة‏:‏ كابن الشحنة، ومَنْ بعده، واشتهر، وتقدم، وأفتى، ودرس‏.‏

ذكره الذهبي - في معجمه - فقال‏:‏ تفقه بأبيه، وشاركه في العربية، وسمع، وقرأ، واشتغل بالعلم‏.‏

ومن نوادره‏:‏ أنه وقع بينه وبين الحافظ‏:‏ عماد الدين ابن كثير منازعة في تدريس، فقال له ابن كثير‏:‏ أنت تكرهني لأني أشعري‏.‏

فقال له‏:‏ لو كان من رأسك إلى قدمك شعر، ما صدقك الناس في قولك‏:‏ أنك أشعري، وشيخك ابن تيمية - رحمه الله -‏.‏

ألف‏:‏ شرحا على ألفيه ابن مالك، وكان فاضلا في النحو، والحديث، والفقه، على طريقة أبيه، ودرس بأماكن عديدة، وكانت وفاته في صفر، سنة 767 - والله أعلم -‏.‏

وأما‏:‏ ولده الآخر‏:‏ عبد الله بن محمد

فمولده سنة 723، اشتغل على أبيه وغيره، وكان مفرط الذكاء، حفظ سورة الأعراف في يومين، ثم درس المحرر في ‏(‏3/ 144‏)‏ الفقه، والمحرر في الحديث، والكافية، والشاطبية، وسمع الحديث، فأكثر على أصحاب ابن عبد الدائم وغيرهم، وسمع الصحيح في الحجاز، ومهر في العلم، وأفتى، ودرس، وحج مرارا‏.‏

وصفه ابن كثير الحافظ‏:‏ بالذهن الحاذق، والفكر الصائب‏.‏

وقال ابن رجب‏:‏ كان أعجوبة زمانه، ووحيد أوانه، توفي - رحمه الله - في سنة 756، وذكر ترجمتهم الحافظ‏:‏ ابن حجر، في الدرر الكامنة‏.‏

 أبو سليمان، داود بن علي بن خلف الأصفهاني

الإمام، المشهور‏:‏ بالظاهري؛ كان زاهدا، متقللا، كثير الورع‏.‏

أخذ العلم عن‏:‏ إسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وغيرهما‏.‏

وكان صاحب مذهب مستقل، وتبعه جمع كثير يعرفون‏:‏ بالظاهرية‏.‏

وكان ولده‏:‏ أبو بكر محمد على مذهبه، وانتهت إليه رياسة العلم ببغداد، وهو إمام أصحاب الظاهر‏.‏

قال أبو العباس، ثعلب‏:‏ كان عقل داود أكثر من علمه، وكان يقول‏:‏ خير الكلام ما دخل الآذان بغير إذن‏.‏

ولد بالكوفة، سنة 202؛ ونشأ ببغداد؛ وتوفي سنة 307‏.‏

قال ولده‏:‏ رأيت أبي في المنام، فقلت له‏:‏ ما فعل الله بك‏؟‏ فقال‏:‏ غفر لي، وسامحني‏.‏

فقلت‏:‏ غفر الله لك، فبم سامحك‏؟‏

فقال‏:‏ يا بني، الأمر عظيم، والويل كل الويل لمن لم يسامح‏.‏

 أبو القاسم، سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي، الطبراني

كان حافظ عصره، رحل في طلب الحديث من الشام إلى العراق، والحجاز، واليمن، ومصر، وبلاد الجزيرة، وأقام في الرحلة ثلاثا وثلاثين سنة، وسمع الكثير، عدد شيوخه ألف شيخ، وله المصنفات الممتعة النافعة‏.‏ ‏(‏3/ 145‏)‏

منها‏:‏ المعاجم الثلاثة‏:‏ الكبير، والأوسط، والصغير، وهي أشهر كتبه‏.‏

روى عنه‏:‏ الحافظ أبو نعيم، والخلق الكثير؛ توفي سنة 360‏.‏

والطَّبَرَاني‏:‏ - بفتح الطاء، والباء، والراء - نسبة إلى‏:‏ طبرية، والطَّبَرِيّ‏:‏ نسبة إلى طبرستان‏.‏

أبو الوليد، سليمان بن خلف الباجي، الأندلسي، المالكي

كان من علماء الأندلس وحُفَّاظها، سكن شرق الأندلس، ورحل إلى المشرق، وأقام بمكة مع أبي ذر الهروي ثلاثة أعوام، وحج‏.‏

ثم رحل إلى بغداد، فأقام بها ثلاثة أعوام، يقرأ الحديث، ويدرس الفقه، ولقي بها‏:‏ أبا الطيب الطبري، وأبا إسحاق الشيرازي، وروى عن الخطيب، وروى الخطيب عنه‏.‏

له‏:‏ كتاب التجريح والتعديل، فيمن روى عنه البخاري في الصحيح، وغير ذلك؛ وهو أحد أئمة المسلمين، وكان قد رجع إلى الأندلس، وولي القضاء هناك؛ توفي بالمرية، سنة 471‏.‏

وأخذ عنه‏:‏ ابن عبد البر، صاحب كتاب الاستيعاب؛ وبينه وبين أبي محمد بن حزم الظاهري مجالسات، ومناظرات، وفصول، يطول شرحها‏.‏

والباجي‏:‏ نسبة إلى ‏(‏باجة‏)‏، وهي‏:‏ مدينة بالأندلس، وثَمَّ ‏(‏باجة‏)‏ أخرى‏:‏ وهي‏:‏ مدينة بأفريقية، و ‏(‏باجة‏)‏ أخرى‏:‏ وهي‏:‏ قرية من قرى أصفهان‏.‏

 أبو عمرو، عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الكردي، الشهرزوري

المعروف‏:‏ بابن الصلاح كان أحد فضلاء عصره في‏:‏ التفسير، والحديث، وأسماء الرجال، وما يتعلق بعلم الحديث، ونقل اللغة، والفقه‏.‏

قال ابن خلكان‏:‏ وهو أحد أشياخي الذين انتفعت بهم‏.‏

تولى التدريس بالمدرسة الناصرية بالقدس، وأقام بها مدة، واشتغل الناس عليه، وانتفعوا به‏.‏ ‏(‏3/ 146‏)‏

ثم انتقل إلى دمشق، وكان من العلم والدين على قدم عظيم‏.‏

وصنف في علوم الحديث كتابا نافعا، ولم يزل أمره جاريا على السداد، والصلاح، والاجتهاد في الاشتغال والنفع، إلى أن توفي يوم الأربعاء، وقت الصبح، في ربيع الآخر، سنة 640، بدمشق‏.‏

ومولده‏:‏ سنة 577، بشرخان‏.‏

 أبو الحسن، علي بن عمر بن أحمد الحافظ، الدارقطني

كان عالما، حافظا، انفرد بالإمامة في علم الحديث في عصره، ولم ينازعه في ذلك أحد من نظرائه، وتصدر في آخر أيامه للإقراء ببغداد، وكان عارفا باختلاف الفقهاء، ويحفظ كثيرا من دواوين العرب‏.‏

روى عنه الحافظ‏:‏ أبو نعيم الأصفهاني - صاحب حلية الأولياء -؛ وقبل القاضي ابن معروف شهادته، فندم على ذلك، وقال‏:‏ كان يقبل قولي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بانفرادي، فصار لا يقبل قولي على نقلي إلا مع آخر‏.‏

صنف‏:‏ كتاب السنن، والمختلف والمؤتلف، وغيرهما‏.‏

وخرج من بغداد إلى مصر، وكان متفننا في علوم كثيرة، إماما في علوم القرآن‏.‏

ولد سنة 306؛ وتوفي في سنة 385، ودفن قريبا من معروف الكرخي، ودار القطن‏:‏ محلة كبيرة ببغداد‏.‏

 أبو الحسن، علي بن أحمد بن محمد الواحدي

صاحب التفاسير، كان أستاذ عصره في التفسير والنحو، ورزق السعادة في تصانيفه، وأجمع الناس على حسنها، وذكرها المدرسون في دروسهم، منها‏:‏ البسيط، والوسيط، والوجيز؛ ومنه أخذ‏:‏ أبو حامد الغزالي أسماء كتبه الثلاثة، وله‏:‏ كتاب أسباب نزول القرآن، وشرح ديوان المتنبي‏.‏

وكان تلميذ الثعلبي المفسر، وعنه أخذ علم التفسير، وأربى عليه‏.‏

وتوفي عن مرض طويل، في سنة 467، بمدينة نيسابور‏.‏ ‏(‏3/ 147‏)‏

 أبو محمد، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، الإمام

المشهور، أصله من فارس، ومولده بقرطبة، من بلاد الأندلس، يوم الأربعاء، قبل طلوع الشمس، سلخ شهر رمضان، سنة 384؛ ويزيد - جده الأعلى -‏:‏ وهو من موالي يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي، كان حافظا، عالما بعلوم الحديث وفقهه، مستنبطا للأحكام من الكتاب والسنة، بعد أن كان شافعي المذهب، فانتقل إلى مذهب أهل الظاهر‏.‏

وكان متفننا في علوم جمة، عاملا بعلمه، زاهدا في الدنيا، بعد الرياسة التي كانت له ولأبيه من قبله، في الوزارة وتدبير الملك، متواضعا، ذا فضائل جمة، وتواليف كثيرة‏.‏ألف في فقه الحديث كتابا، سماه‏:‏ ‏(‏الإيصال، إلى فهم الخصال‏)‏ الجامعة لجمل شرائع الإسلام في‏:‏ الواجب، والحلال، والحرام، والسنة، والإجماع، أورد فيه أقوال الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من أئمة المسلمين، والحجة لكل طائفة وعليها، وهو كتاب كبير‏.‏

قال ابن بشكوال في حقه‏:‏ كان أبو محمد أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام، وأوسعهم معرفة، مع توسعة في علم اللسان، ووفور حظه من البلاغة، والشعر، والمعرفة بالسير والأخبار، كتب بخطه من تأليفه نحو أربعمائة مجلد، تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة‏.‏

قال الحافظ الحميدي‏:‏ ما رأينا مثله فيما اجتمع له من الذكاء، وسرعة الحفظ، وكرم النفس، والتدين، وما رأيت من يقول الشعر على البديهة أسرع منه، وكان كثير الوقوع في العلماء المتقدمين، لا يكاد يسلم أحد من لسانه، فنفرت عنه القلوب، واستهدف فقهاء وقته، فتمالوا على بغضه، وردوا أقواله، وأجمعوا على تضليله، وشنعوا عليه، وحذروا سلاطنيهم من فتنته، ونهوا عوامّهم عن الدنو إليه، والأخذ عنه، فأقصته الملوك، وشردته عن بلاده، حتى انتهى إلى بادية لبلة، فتوفي بها، آخر النهار، من شعبان، سنة 456، وقيل‏:‏ في منت ليشم‏:‏ وهي قرية ابن حزم‏.‏

قال ابن العريف‏:‏ كان لسان ابن حزم، وسيف الحجاج الثقفي‏.‏ شقيقين‏.‏ ‏(‏3/ 148‏)‏

وإنما قال ذلك، لكثرة وقوعه في الأئمة، وكان والده وزير الدولة العامرية، ذكر ذلك ابن خلكان في تاريخه‏.‏

قلت‏:‏ وذكر الشيخ ابن عربي - صاحب الفتوحات - أنه رأى أبا حزم في المنام، وقد عانق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغاب أحدهما في الآخر، فلم أعرف أحدهما عن الآخر، هذا حاصل معناه، وهذا يدل على حسن عاقبته، ولطف علمه، وخيرة طريقه، وكما اتحاده بالنبي صلى الله عليه وسلم، وليس وراء ذلك غاية - والله أعلم -‏.‏

والظاهرية‏:‏ هم أئمة الأمة، وسلفها، وقدوة المسلمين في كل زمان، ومذهبهم أصفى مذاهب عالم الإمكان، ولنعم ما قيل‏:‏

بلاء ليس يعدله بلاء ** عداوة غير ذي حسب وديني

بيحك منه عرضا لم يصنه ** ويرتع منك في عرض مصون

القاضي‏:‏ أبو الفضل، عياض بن موسى اليحصبي، السبتي

كان إمام وقته في الحديث، وعلومه، والنحو، واللغة، وكلام العرب، وأيامهم، وأنسابهم، له التصانيف المفيدة، منها‏:‏

كتاب‏:‏ الإكمال، في شرح صحيح مسلم‏.‏

ومشارق الأنوار، في غريب الحديث‏.‏

والشفا، في حقوق المصطفى‏.‏

دخل الأندلس طالبا للعلم، وأخذ بقرطبة عن جماعة، وجمع من الحديث كثيرا، وكان له عناية كثيرة به، والاهتمام بجمعه وتقييده، وهو من أهل اليقين في العلم، والذكاء، والفطنة، والفهم‏.‏

واستُقضي ببلدة سبتة مدة طويلة، حمدت سيرته فيها، ثم نقل منها إلى قضاء غرناطة، فلم تطل مدته فيها، وله شعر حسن، ونثر بليغ‏.‏

ولد سنة 476؛ وتوفي في سنة ‏(‏3/ 149‏)‏ 544، بغرناطة، وهي‏:‏ بلدة بالأندلس‏.‏

 أبو عبد الله، محمد بن يحيى بن مندة العبدي، الحافظ

المشهور، صاحب كتاب‏:‏ تاريخ أصفهان، كان أحد الحفاظ الثقات، وهم أهل بيت كبير، خرج منه جماعة من العلماء، توفي في سنة 301‏.‏

 أبو بكر، محمد بن عبد الله بن محمد

المعروف‏:‏ بابن العربي، الأندلسي، الإشبيلي، المالكي

الحافظ المشهور، صاحب كتاب‏:‏ القبس، في شرح موطأ مالك بن أنس‏.‏

قال ابن بشكوال‏:‏ هو ختام علماء الأندلس، وآخر أئمتها وحفاظها، رحل إلى المشرق، ودخل الشام وبغداد، وسمع بها من جماعة‏.‏

ثم دخل الحجاز، فحج، ثم عاد إلى بغداد، وصحب أبا بكر الشاشي، وأبا حامد الغزالي - رحمهم الله - وغيرهما‏.‏

ثم صدر عنهم، ولقي بمصر والإسكندرية جماعة من المحدثين، فكتب عنهم، واستفاد منهم، وأفادهم‏.‏ثم عاد إلى الأندلس، وقدم إلى إشبيلية بعلم كثير، لم يدخل أحد قبله بمثله ممن كانت له رحلة إلى المشرق، وكان من أهل التفنن في العلوم، والاستبحار فيها، والجمع لها، مقدما في المعارف كلها، متكلما في أنواعها، نافذا في جميعها، حريصا على أدائها ونشرها، ثاقب الذهن في تمييز الصواب منها، ويجمع إلى ذلك كله‏:‏ آداب الأخلاق، مع حسن المعاشرة، ولين الكنف، وكثرة الاحتمال، وكرم النفس، وحسن العهد، وثبات الود، واستُقضي ببلده، فنفع الله به أهلها، لصرامته، وشدته، ونفوذ أحكامه، وكانت له في الظالمين سورة مرهوبة‏.‏

ثم صُرف عن القضاء، وأقبل على نشر العلم وبثه‏.‏

ولد سنة 468، وتوفي بمدينة فاس في سنة 543‏.‏

وله مصنفات، منها‏:‏ كتاب عارضة الأحوذي في شرح الترمذي‏.‏

والعارضة‏:‏ القدرة في الكلام، والأحوذي‏:‏ الخفيف في الشيء لحذقه‏.‏

وقال ‏(‏3/ 150‏)‏ الأصمعي‏:‏ المسمَّى في الأمور، القاهر لها، الذي لا يشذ عليه منها شيء‏.‏

 أبو عبد الله، محمد بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله المعروف‏:‏ بابن تيمية، الحراني، الملقب‏:‏ فخر الدين، الخطيب، الواعظ

كان فاضلا، تفرد في بلاده بالعلم، وكان المشار إليه في الدين، لقي جماعة من العلماء، وأخذ عنهم العلوم، وقدم بغداد، وتفقه بها، وسمع الحديث، وصنف في مذهب الإمام أحمد مختصرا أحسن فيه، وله ديوان خطب مشهور، وهو في غاية الجودة، وله نظم حسن، وكانت إليه الخطابة بحران ولأهله من بعده، ولم يزل أمره جاريا على سداد، وصلاح حال‏.‏

ولد بمدينة حران، سنة 543؛ وتوفي بها، في سنة 621‏.‏

ذكره ابن سلامة في‏:‏ تاريخ حران، وأثنى عليه‏.‏

وذكره ابن المستوفي في‏:‏ تاريخ إربل، فقال‏:‏ ورد إربل حاجا، وذكر فضله، قال‏:‏ وكان يدرس التفسير كان يوم، وهو حسن القصص، حلو الكلام، مليح الشمائل، وله القبول التام، عند الخاص والعام‏.‏

قال‏:‏ سألته عن اسم تيمية، ما معناه‏؟‏

فقال‏:‏ حج أبي، أو جدي - أنا أشك أيهما‏؟‏ - فلما رجع إلى حران، وجد امرأته قد وضعت جارية، فلما رفعوها إليه، قال‏:‏ يا تيمية، يا تيمية، يعني‏:‏ إنها تشبه التي رآها بتيماء، فسمَّى بها، أو كلاما هذا معناه‏.‏

وتيماء‏:‏ بليدة في بادية تبوك، إذا خرج الإنسان من خيبر إليها، تكون على منتصف طريق الشام

وتيمية‏:‏ منسوبة إلى هذه البليدة، وكان ينبغي أن تكون تيماوية، لأن النسبة إلى تيماء‏:‏ تيماوي، لكنه هكذا قال، واشتهر كما قال‏.‏

 يوسف بن عبد البر بن محمد النمري، القرطبي

إمام عصره في الحديث، والأثر، وما يتعلق بهما، لم يكن في الأندلس مثله في علم السنة، وكان أحفظ أهل ‏(‏3/ 151‏)‏ المغرب في زمانه، دأب في طلب العلم، وأفتى به، وبرع براعة فاق فيها من تقدمه من رجال الأندلس‏.‏

وألف في الموطأ كتبا مفيدة، منها‏:‏ كتاب التمهيد، لما في الموطأ من المعاني و الأسانيد‏.‏

قال ابن حزم‏:‏ لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله، فكيف أحسن منه‏؟‏

وله‏:‏ كتاب الاستذكار، في شرح مذاهب علماء الأمصار‏.‏

وكتاب‏:‏ الاستيعاب‏.‏

وكتاب‏:‏ جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله؛ وغير ذلك‏.‏

وكان موفقا في التأليف، معانا عليه، - نفع الله به -، وكان له بسطة كثيرة في علم النسب‏.‏

وفارق قرطبة، وجال في غرب الأندلس مدة، ثم سكن دانية، وبلنسية، وشاطبة، في أوقات مختلفة، وتولى قضاء لشبونة، وشنترين‏.‏

توفي في سنة 463، بمدينة شاطبة‏.‏

وكان مولده سنة 368، وهو‏:‏ حافظ المغرب، كما كان الخطيب البغدادي‏:‏ حافظ المشرق، وقد ماتا في سنة واحدة، وهما‏:‏ إمامان في هذا الفن، - وكان أمر الله قدرا مقدروا‏.‏-

 أبو بكر بن أحمد بن الحسين البيهقي

واحد زمانه، وفرد أقرانه في الفنون، من كبار أصحاب الحاكم في الحديث، ثم الزائد عليه في أنواع العلوم، غلب عليه الحديث، واشتهر به، ورحل في طلبه إلى الجبال، والحجاز، والعراق‏.‏

وسمع بخراسان من علماء عصره، تبلغ تصانيفه ألف جزء‏.‏

وهو‏:‏ أول من جمع نصوص الإمام الشافعي‏.‏

وله‏:‏ السنن الصغير، والكبير، ودلائل النبوة، وشعب الإيمان، ومناقب الإمام الشافعي، وأحمد بن حنبل‏.‏ ‏(‏3/ 152‏)‏

وكان قانعا من الدنيا بالقليل‏.‏

قال إمام الحرمين في حقه‏:‏ ما من شافعي المذهب، إلا وللشافعي عليه منة، إلا أحمد البيهقي، فإن له على الشافعي منة‏.‏

وطلب إلى نيسابور لنشر العلم، فانتقل إليها، وكان على سيرة السلف‏.‏

وأخذ عنه الحديث جماعة من الأعيان‏.‏

ولد في سنة 384؛ وتوفي في سنة 458، بنيسابور؛ ونقل إلى بيهق، وهي‏:‏ قرى مجتمعة بنواحي نيسابور، على عشرين فرسخا منها، وخسرو جرد‏:‏ من قراها، فهو منها‏.‏

 أبو عبد الرحمن، أحمد بن علي بن شعيب النسائي، الحافظ

كان إمام أهل عصره في الحديث، له كتاب السنن، سكن مصر، وانتشرت بها تصانيفه، وأخذ عنه الناس، وكان يتشيع، امتُحن بدمشق، فأدرك الشهادة، وحمل إلى مكة المكرمة، فتوفي بها، سنة 303؛ وهو مدفون بين الصفا والمروة، وكان يصوم يوما، ويفطر يوما، وكان موصوفا بكثرة الجماع، وكان إماما في الحديث، ثقة، ثبتا، حافظا‏.‏

ونسا‏:‏ مدينة بخراسان، خرج منها جماعة من الأعيان، ذكرت له ترجمة حسنة في الحطة، والإتحاف، مع بقية أصحاب الستة، فلا نطول الكلام بذكرها هنا‏.‏

 الشيخ عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن الخضر

شيخ الإسلام، مجد الدين، أبو البركات بن تيمية الحراني، جدُّ الشيخ‏:‏ تقي الدين، المعروف‏:‏ بابن تيمية

قال الشوكاني في حقه‏:‏ علامة عصره، المجتهد المطلق، شيخ الحنابلة، المعروف‏:‏ بابن تيمية‏.‏

قال الذهبي - في النبلاء -‏:‏ ولد في حدود سنة 590؛ وتوفي في سنة 652، يوم الفطر‏.‏

تفقه في صغره على‏:‏ عمِّه‏:‏ الخطيب، فخر الدين، ورحل إلى بغداد، وهو ابن بضعة عشر، وسمع بها من‏:‏ أحمد بن سكينة، وابن طبرزد، ويوسف بن كامل‏.‏

وسمع بحران، روى عنه‏:‏ الدمياطي، وولده الشيخ‏:‏ شهاب الدين عبد الحليم، ‏(‏3/ 153‏)‏ وجماعة‏.‏

وتفقه، وبرع، واشتغل، وصنف التصانيف، وانتهت إليه الإمامة في الفقه، ودرس القرآن، وحج في سنة 651، على درب العراق، والتمس منه أستاذ دار الخلافة ببغداد‏:‏ ابن الجوزي الإقامة عندهم، فتعلل بالأهل والوطن، وكان الشيخ ابن مالك يقول‏:‏ أُلِين للشيخ المجد الفقه، كما أُلين لداود الحديث، وابتهر علماء بغداد لذكائه، وفضائله‏.‏

قال الشيخ تقي الدين‏:‏ وجدناه عجيبا في سرد المتون، وحفظ المذاهب، بلا كلفة، وصنف التصانيف، مع الدين، والتقوى، وحسن الاتباع‏.‏

قال شيخنا، وبركتنا، الإمام، القاضي، الشوكاني - في نيل الأوطار، من أسرار منتقى الأخبار‏:‏ وقد يلتبس على من لا معرفة له بأحوال الناس صاحب الترجمة هذا، بحفيده شيخ الإسلام‏:‏ تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام - شيخ ابن القيم - الذي له المقالات التي طال بينه وبين عصره فيها الخصام، وأُخرج من مصر بسببها، وليس الأمر كذلك‏.‏

قال في تذكرة الحفاظ، في ترجمة شيخ الإسلام‏:‏ هو أحمد بن المفتي عبد الحليم بن الشيخ الإمام المجتهد عبد السلام‏.‏ انتهى‏.‏

وبالجملة‏:‏ كان إماما، حجة، بارعا في الفقه، والحديث، وله يد طولى في التفسير، ومعرفة تامة في الأصول، والاطلاع على مذاهب الناس، وله ذكاء مفرط، ولم يكن في زمانه مثله‏.‏

وله المصنفات النافعة، كالأحكام، المسمى‏:‏ بالمنتقى؛ وشرح الهداية؛ وصنف‏:‏ أرجوزة في القراءة، وكتابا في أصول الفقه‏.‏

وشيخه في الفرائض، والعربية‏:‏ أبو البقا، وحكى البرهان المراغي‏:‏ أنه اجتمع به، فأورد نكتة عليه، فقال مجد الدين الجواب عنها عن مائة وجه‏:‏ الأول كذا، والثاني كذا، وسردها إلى آخرها، ثم قال للبرهان‏:‏ وقد رضينا منك الإعادة، فخضع له‏.‏ ‏(‏3/ 154‏)‏ وانتهى‏.‏

وعلى كتابه‏:‏ منتقى الأخبار، شرح لشيخنا، القاضي، العلامة، المجتهد، المطلق، الرباني‏:‏ محمد بن علي الشوكاني، سماه‏:‏ ‏(‏نيل الأوطار، من أسرار منتقى الأخبار‏)‏، أجاد فيه كل الإجادة، وبلغ غاية في الإحسان والإفادة، ونهاية في التحقيق والاستدلال، مع البدء والإعادة - ولله الحمد، حمدا كثيرا مباركا -‏.‏

 ابن قدامة المقدسي

شمس الدين، محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي، الحنبلي أحد الأذكياء المشهورين، وإمام الفقهاء المحدثين‏.‏

ولد في رجب، سنة 755، وقيل‏:‏ قبلها، وقيل‏:‏ بعدها‏.‏

وسمع من التقي سليمان، وابن سعد، وطبقتهما‏.‏

وتفقه بابن مسلم، وتردد إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، ومهر في الحديث، والفقه، والأصول، والعربية، وغيرها‏.‏

قال الصفدي‏:‏ لو عاش لكان آية، كنت إذا لقيته سألته عن‏:‏ مسائل أدبية، وقواعد عربية، فينحدر كالسيل، وكنت أراه يوافق المزي في أسماء الرجال، ويرد عليه، فيقبل منه‏.‏

وقال الذهبي - في معجمه -‏:‏ هو الفقيه البارع، المقري المجود، المحدث الحافظ، النحوي الحاذق، ذو الفنون، كتب عني، واستفدت منه‏.‏

وقال الحافظ ابن كثير‏:‏ كان حافظا، علامة، ناقدا، حصَّل من العلوم مالا يبلغه الشيوخ الكبار، وبرع في الفنون، وكان جبلا في‏:‏ العلل، والطرق، والرجال، حسن الفهم جدا، صحيح الذهن‏.‏

وله‏:‏ كتاب الأحكام، في ثمان مجلدات؛ والرد على أبي الحسن السبكي الكبير، في رده على شيخه ابن تيمية، سماه‏:‏ الصارم المنكي، على نحر ابن السبكي؛ كتبته بخطي، حين سافرت إلى الحرمين الشريفين على المركب، فوق البحر المحيط، ذهابا من بندر ‏(‏3/ 155‏)‏ مجيئاً، إلى مكة المشرفة، في سنة 1285؛ وله‏:‏ المحرر في الحديث، اختصره من الإلمام، فجوّده جدا؛ واختصر التعليق لابن الجوزي، وزاد عليه؛ وشرح التسهيل، في مجلدين؛ وله‏:‏ مناقشات مع أبي حيان، فيما اعترض به على ابن مالك في الألفية؛ وله‏:‏ الكلام على أحاديث مختصر ابن الحاجب - رحمه الله -؛ وشرح كتاب العلل، على ترتيب الفقه - وقفت منه على المجلد الأول -؛ وجمع‏:‏ التفسير المسند، ولم يكمله؛ وله‏:‏ المغني في الفقه، وهو أجمع كتاب في بابه، مغن للمقلد والمجتهد، اشتريته بمائة ربية للمدرسة السليمانية، الواقعة بمحميّة بهوبال المحروسة‏.‏

قال الذهبي‏:‏ ما اجتمعت به قط إلا واستفدت منه، وكثر التأسف لما مات، وحضر جنازته من لا يحصى كثرة‏.‏

وكانت وفاته في عاشر جمادى الأولى، سنة 744، ذكر له الحافظ ابن حجر ترجمة حسنة في‏:‏ الدرر الكامنة‏.‏

وكتابه‏:‏ الصارم المنكي، يدل على سعة اطلاعه في علم السنة، وغزارة فضله، وتحقيقه في العلوم الشرعية، وإيثاره الحق على الخلق - رحمه الله تعالى -‏.‏

 جمال الإسلام‏:‏ كمال الدين، محمد بن علي بن عبد الواحد

المعروف‏:‏ بابن الزملكاني الأنصاري، الدمشقي، قاضي قضاة الشافعية في عصره

سمع من ابن علان، وطلب الحديث وقرأه، وكان فصيحا، متسرعا، بصيرا بالمذهب وأصوله، ذكيا، صحيح الذهن، صائب الفكر، وكان شكله حسنا، ومنظره رائعا، وتجمُّلَه في زيه، وهيئتَه غايةً، وشيبتَه منورةً، يكاد الورد يُقتطف من وجنتيه، وعقيدته أشعرية، وفضائله جموعها عديدة، وفواضله ربوعها مشيدة‏.‏

و له‏:‏ رسالة في الرد على ابن تيمية في مسألتي‏:‏ الطلاق والزيارة، والحق فيهما مع ابن تيمية، ولذلك اعترف آخِراً بفضله، ومدحه مدحا بالغا إلى الغاية‏.‏

درس بالشامية البرانية، والطاهرية، والرواحية؛ وألّف‏:‏ رسالة، سماها‏:‏ رابع ‏(‏3/ 156‏)‏ أربعة‏.‏ توفي في سنة 727؛ وكان كثير التحيل، شديد الاحتراز، يتوهم أشياء بعيدة، وتعب بذلك، وعُودي وحُسد‏.‏

ومن نظمه‏:‏ قصيدة يذكر فيها الكعبة الشريفة، ويمدح النبي صلى الله عليه وسلم، أولها‏:‏

أهواك يا ربة الأستار أهواك ** وإن تباعد عن مغناي مغناك

وعمل على هذه القصيدة كراريس، سماها‏:‏ عجالة الراكب، في أشرف المناقب؛ ذكر له أهل الطبقات تراجم حسنة في كتبهم‏.‏

 محمد بن علي بن وهب بن مطيع، الإمام

العلامة، شيخ الإسلام‏:‏ تقي الدين، أبو الفتح بن دقيق العيد القشيري، المنفلوطي، المصري، المالكي، الشافعي؛ أحد الأعلام، وقاضي القضاة‏.‏

ولد سنة 625، بناحية ينبع؛ وتوفي يوم الجمعة، حادي عشر صفر، سنة 702؛ سمع من‏:‏ ابن عبد الدائم، والزين خالد، وابن رواح، وغيرهم‏.‏

له التصانيف البديعة‏:‏ كالإمام في شرح الإلمام، والإلمام بأحاديث الأحكام، في علوم الحديث؛ وشرح عمدة الأحكام؛ وشرح مقدمة المطرزي، في أصول الفقه؛ وجمع‏:‏ الأربعين، في الرواية عن رب العالمين؛ وكان إماما، متقنا، محدثا، مجودا، فقيها، مدققا، أصوليا، أديبا، شاعرا، نحويا، ذكيا، غواصا على المعاني، مجتهدا، وافر العقل، كثير السكينة، بخيلا بالكلام، تام الورع، شديد التدين، مديم السهر، مكبا على المطالعة والجمع، قلّ أن ترى العيون مثله، سمحا، جوادا، وكان قد قهره الوسواس في أمر المياه والنجاسات، وله في ذلك حكايات ووقائع كثيرة، وكان كثير التسري والتمتع، وله عدة أولاد ذكور بأسماء الصحابة العشرة‏.‏

تفقه بأبيه، وبالشيخ عز الدين بن عبد السلام؛ واشتهر اسمه في حياة مشائخه، وكان مالكيا، ثم صار شافعيا‏.‏

ومن شعره - رحمه الله تعالى -‏:‏

أحباب قلبي والذين بذكرهم ** وتردادهم طول الزمان تعلقي

لئن غاب من عيني بديع جمالكم ** وجار على الأبدان حكم التفرق

فما ضرنا بعد المسافة بيننا ** سرائرنا تسري إليكم فتلتقي

وقال يمدح رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -‏:‏

لم يبق أمل سواك فإن بغت ** ودّعت أيام الحياة وداعا

لا أستلذ بغير وجهك منظرا ** وسوى حديثك لا أريد سماعا

هؤلاء المترجمون هم نقاوة الحفاظ، ولعلنا قد أهملنا خلقا كثيرا من نظرائهم، فإن المجلس الواحد في ذلك الزمان، كان يجتمع فيه أزيد من عشرة آلاف محبرة، يكتبون الآثار النبوية، ويعتنون بهذا الشأن، وبينهم نحو من مائتي إمام قد برزوا، وتأهلوا للفتيا، ثم اندرج أصحاب الحديث، وتلاشوا، وتبدل الناس بطلبة يهزأ بهم أصحاب الحديث والسنة، ويسخرون منهم، وصار علماء الأعصار، وفضلاء الأمصار - في الغالب - عاكفين على التقليد في الفروع، من غير تحرير لها، مكبين على عقليات من حكمة الأوائل، وآراء المتكلمين، من غير أن يتعقلوا أكثرها، فعم البلاء، واستحكمت الأهواء، ولاحت مبادي رفع العلم وقبضه من الناس، فرحم الله امرأ أقبل على شأنه، وقصر من لسانه، وأكب على تلاوة قرآنه، وبكى على زمانه، وأدمن النظر في الصحيحين، وعبدَ اللهَ قبل أن يأتيه الأجل، - اللهم فوفِّقْ، وارحمْ -‏.‏

قال الذهبي - في الطبقات - في آخر تراجم أهل الطبقة التاسعة‏:‏ ولقد كان في ذلك العصر وما قاربه، من أئمة الحديث النبوي في الدنيا خلق كثير، ما ذكرنا عُشْرهم هاهنا، وأكثرهم مذكورون في‏:‏ تاريخي الكبير، وكذلك كان في هذا الوقت خلق من أئمة أهل الرأي والفروع، وعدد كثير من أساطين المعتزلة، والشيعة، وأصحاب الكلام، الذي مشوا وراء المعقول، وأعرضوا عما عليه السلف من التمسك بالآثار النبوية، وظهر في الفقهاء التقليد، وتناقض الاجتهاد، - فسبحان من ‏(‏3 / 158‏)‏ له الخلق والأمر -‏.‏

فبالله عليك يا شيخ، ارفق بنفسك، والزم الإنصاف، ولا تنظر إلى هؤلاء النذر الشرر، ولا ترمقنهم بعين النقص، ولا تعتقد فيهم أنهم من جنس محدثي زماننا، حاشا وكلا، فما فيمن سمَّيتَ أحدٌ - ولله الحمد - إلا وهو بصير بالدين، عالم بسبيل النجاة، وليس في كبار محدثي زماننا أحد يبلغ رتبة أولئك في المعرفة، فإني أحسبك لفرط هواك، وسعة جهلك، تقول بلسان الحال - إنْ أعذركَ المقال -‏:‏ من أحمد‏؟‏ وما ابن المديني‏؟‏ وأي شيء أبو زرعة‏؟‏ وهؤلاء المحدثون لا يدرون الفقه ولا أصوله، ولا يفقهون الرأي، ولا علم لهم بالبيان، والمعاني، ولا الدقائق، ولا خبرة لهم بالبرهان والمنطق، ولا يعرفون الله تعالى بالدليل، ولا هم من فقهاء الملة، فاسكت بحلم، أو انطق بعلم، فالعلم النافع‏:‏ هو ما جاء عن أمثال هؤلاء، ولكن نسبتك إلى أئمة الفقه، كنسبة محدثي عصرنا إلى أئمة الحديث، فلا نحن ولا أنت، وإنما يعرف الفضلَ لأهل الفضل ذو الفضل، فمن اتقى‏:‏ راقب الله، واعترف بنقصه، ومن تكلم بالجهل، أو بالجاه، وبالشرف، فأعرضْ عنه، وذَرْهُ وغيَّه، فَعُقْباه إلى وبال - نسأل الله العفو والعافية -‏.‏ انتهى كلامه ملخصا‏.‏

وقال في آخر الطبقة الخامسة - من كتابه‏:‏ الطبقات -‏:‏ وكان الإسلام وأهله في عز تام، وعلم غزير، وأعلام الجهاد منشورة، والسنن مشهورة، والبدع مكبوبة، والقوَّالون بالحق كثيرون، والعُبَّاد متوافرون، والناس في رغدة من العيش بالأمن، وكثرة الجيوش المحمدية، من أقصى المغرب، وجزيرة الأندلس، وإلى قريب مملكة الخطا، وبعض الهند، والحبشة‏.‏

وخلفاء هذا الزمان‏:‏ أبو جعفر، وأين مثل أبي جعفر‏؟‏ عَلَمٌ ظلم فيه، ثم ابنه‏:‏ المهدي، ثم ولده‏:‏ الرشيد هارون‏.‏

وكان في هذا الوقت من الصالحين، مثل‏:‏ إبراهيم بن أدهم، وداود الطائي، وسفيان الثوري‏.‏ومن النحاة، مثل‏:‏ عيسى بن عمر، والخليل بن أحمد، وحماد بن سلمة‏.‏ ‏(‏3/ 159‏)‏

ومن القراء‏:‏ حمزة بن حبيب، وابن العلاء، ونافع‏.‏

ومن الشعراء‏:‏ مروان بن أبي حفصة، وبشار بن برد‏.‏

ومن الفقهاء‏:‏ كأبي حنيفة، ومالك، والأوزاعي‏.‏

قال‏:‏ وعن يحيى التميمي، قال‏:‏ سمعت أبا يوسف القاضي - صاحب أبي حنيفة - عند وفاته يقول‏:‏ كل ما أفتيت به فقد رجعت عنه، إلا ما وافق الكتاب والسنة‏.‏

وفي لفظ‏:‏ إلا ما وافق القرآن، وأجمع عليه المسلمون‏.‏ انتهى‏.‏

قلت‏:‏ وهكذا كان حال السلف، فقد روينا عن ابن خزيمة أنه قال‏:‏ ليس لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قول إذا صح الخبر‏.‏

وكان الحافظ ابن المنذر‏:‏ مجتهدا، لا يقلد أحدا‏.‏

وكان ابن عبد البر‏:‏ صاحب اتباع وسنة‏.‏

وكان ابن وهب الفهري‏:‏ حافظا، مجتهدا، لا يقلد أحدا‏.‏

وكذا‏:‏ بقي بن مخلد القرطبي‏:‏ المفسر، المحدث، كان لا يقلد أحدا، تعصبوا عليه لإنكاره مذهب أهل العصر، فدفعهم عنه أمير الأندلس‏:‏ محمد بن عبد الرحمن المرواني، واستنسخ كتبه، وقال لبقي‏:‏ انشر علمك‏.‏

ورُوي عن بقي أنه قال‏:‏ لقد غرست للمسلمين غرسا بالأندلس، لا يقلع إلا بخروج الدجال‏.‏

وهكذا كان‏:‏ قاسم بن محمد بن سيار‏:‏ إماما، مجتهدا، لا يقلد أحدا، وكان مذهبه النظر والحجة، ولم يكن بالأندلس مثله في حسن النظر، مات سنة 376، إلى غير هؤلاء، ممن لا يحصى كثرة، ولا، يستقصى عددا‏.‏

ولذا، قال المحققون‏:‏ إن التقليد والمقلدة ليسا من العلم والعلماء في صدر ولا ورد، ولا يُطلق اسم العلم والعالم عليهما‏.‏

وإنما حدث التقليد حين ضعف العلم، وتمسك به الجهال والعوام، وعمت به البلوى على ممر الدهور في الأنام‏.‏ ‏(‏3/ 160‏)‏

قال سفيان الثوري‏:‏ ليس طلب الحديث من عدة الموت، لكنه علة يتشاغل بها الرجل قلبه؛ - وقد صدق والله في هذا المقال، لأن طلب الحديث شيء غير الحديث -‏.‏

فطلب الحديث اسم عرفي لأمور زائدة على تحصيل ماهية الحديث، وكثير منها مَراقٍ إلى العلم، وأكثر الأمور التي يُشغف بها المحدث‏:‏ تحصيل النسخ المليحة، وتطلب العالي، وتكثر الشيوخ، والفرح بالألقاب، والابتشار بالثناء، وتمني العمر الطويل ليروي، وحب التفرّد إلى أمور عديدة، لازمةٍ للأغراض النفسانية، لا للأعمال الربانية‏.‏

فإذا كان طلبك للحديث النبوي محفوفا بهذه الآفات، فمتى خلاصك منها إلى الإخلاص‏؟‏ وإذا كان علم الآثار مدخولا، فما ظنك بعلم المنطق، والجدل، وحكمة الأوائل، التي تسلب الإيمان، وتورث الشكوك والحيرة، التي لم تكن - والله - من علم الصحابة ولا التابعين، ولا من علم الأوزاعي، والثوري، ومالك، وأبي حنيفة، وابن أبي ذئب، وشعبة، ولا - والله - عرفها ابن المبارك، ولا أبو يوسف، ولا وكيع، ولا ابن وهب، ولا الشافعي، ولا أبو عبيد، ولا ابن المديني، ولا أحمد، ولا أبو داود، ولا المزني، والبخاري، والأثرم، ومسلم، والنسائي، وابن خزيمة، وابن شريح، وابن المنذر، ولا أمثالهم‏؟‏‏!‏ بل كانت علومهم‏:‏ القرآن، والحديث، والنحو، والتاريخ، وشبه ذلك‏.‏

ومن كلام سفيان أيضا‏:‏ ما من عمل أفضل من طلب الحديث، إذا صحت النية فيه‏.‏

هذا آخر ما استفدته من كلام الحافظ الذهبي - وبالله التوفيق، وهو المستعان -‏.‏